يحرص العهد الذي ينظر بعين القلق الشديد إلى التطورات الجنوبية والشرقية، وبما تمثله من جرس إنذار بالغ الخطورة، على تأمين الأجواء الآيلة إلى إعطاء دفع قوي لعمل الحكومة، من خلال استكمال ملف التعيينات العسكرية، ومن ثم البدء بالتعيينات الإدارية، وفي مقدمها حاكمية مصرف لبنان، حيث ترتفع أسهم الوزير السابق جهاد أزعور، لتولي هذا المنصب بعد إنجاز الآلية التي سيصار إلى اعتمادها على هذا الصعيد . وأشارت المعلومات في هذا الخصوص، إلى أن التوافق كامل بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، على الانتهاء من هذا الملف، بسرعة لكن دون تسرع، بحكم أن انطلاق العجلة الحكومية، يستدعي ملء المراكز الشاغرة في الإدارة، من أجل استقامة عمل المؤسسات . وفي حين لم تخف مصادر سياسية بارزة وجود رغبة أميركية لم تعد خافية على أحد، بوجود شخص يتمتع بمواصفات استثنائية ليكون على رأس حاكمية مصرف لبنان، لا يشكل أي جسر عبور ل"حزب الله" لاستعادة عافيته المالية، فإنها لفتت إلى أن اختيار الحاكم، سيكون وفقاً للمصلحة الوطنية العليا، في إطار سياسة الحكومة الهادفة إلى معالجة الملفات الاقتصادية والمالية، ولا يخضع لإملاءات أحد .
وإذا كان استمرار إسرائيل في خرق اتفاق وقف إطلاق النار، من خلال عمليات الاستهدافات والقصف الجوي، وما يمكن أن يترتب عنه من تداعيات، فإن تجدد الاشتباكات على الحدود الشرقية، ينذر بمضاعفات على قدر كبير من الخطورة، بعد سقوط عدد من القتلى اللبنانيين والسوريين على جانبي الحدود، وما رافق ذلك من قصف مدفعي متبادل . ولا تخفي أوساط وزارية خشيتها من ما يمكن أن تجره هذه الاشتباكات الحدودية، من توترات طائفية ومذهبية بين المناطق اللبنانية والسورية المجاورة، مشيرة إلى ضرورة تأمين حماية الحدود، وتوسيع إطار التنسيق الأمني المخابراتي بين الأجهزة العسكرية اللبنانية، والإدارة السورية الجديدة، لما فيه مصلحة البلدين الجارين والشعبين الشقيقين . إذ أن المواجهات الدامية التي حصلت، وما تخللها من عمليات اختطاف وقتل، تصعيد ميداني غاية في الخطورة، لا يمكن التساهل حياله .
وتكشف الأوسط، أن التطورات الميدانية الحدودية المتسارعة، تستدعي الكثير من الحذر واليقظة، لتدارك التداعيات التي قد ترخي بثقلها على الأوضاع الداخلية، مشيرة إلى أن هذه التطورات تشكل دافعاً قوياً من أجل الإسراع في استكمال باقي التعيينات الأمنية والعسكرية، وتعزيز التواجد العسكري والأمني على جانبي الحدود، تحسباً لما قد يطرأ بفعل ما يجري في الداخل السوري، في ظل تزايد موجات النزوح إلى لبنان، مع ما لذلك من انعكاسات اجتماعية، ربما تقود إلى فوضى أمنية، إذا لم يتم التعامل مع الموضوع بالإجراءات المناسبة . وعلم في هذا السياق، أن الحكومة بصدد اتخاذ تدابير من شأنها تعزيز الاستقرار الأمني على جانبي الحدود، والقيام بما يلزم من أجل تفادي المزيد من التدهور ، وهو أمر لا يمكن السماح به مهما كلف الأمر، بعدما أعطيت التعليمات للجيش، بالتصدي لأي محاولة لزعزعة الاستقرار .
وعلى دقة الظروف التي يمر بها لبنان، توازياً مع ما يجري من حوله، فإن الصورة على الصعيد الداخلي اللبناني، باتت مختلفة كلياً عن المرحلة الماضية، على ما تشير إليه، مصادر "الخماسية" التي تستعد لمواكبة المرحلة المقبلة في لبنان، مشددة على أنه لا يجوز تفويت الفرصة السانحة التي توافرت للبنانيين، في ظل العهد الجديد ، خاصة بعد انتخاب رئيس توافقي على مسافة من الجميع، ولديه القدرة على مواكبة الانفراج المأمول، من خلال عودة قرار السلم والحرب إلى المؤسسات الدستورية. وبالتالي فإن من مصلحة الجميع، تعبيد طريق الإصلاح أمام حكومة الرئيس سلام، لتكون على أهبة الاستعداد وبكل قواها، لمواكبة ما حصل من تطورات في لبنان والمنطقة، سيما في ظل وجود دعم كبير للعهد الجديد الذي يؤمل منه أن يضع لبنان على سكة النهوض ، وأن يقتنع جميع الفرقاء، بأن مصلحة لبنان تتعدى مصالح الآخرين.
وفي الوقت الذي لم يحسم مصير المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار في قطاع غزة، فإن الضربات الجوية والبحرية الأميركية غير المسبوقة ضد جماعة "الحوثي"، وسقوط عشرات الشهداء والجرحى، يزيد الخشية من اتساع نطاق الحرب على اليمن، سيما وأن هناك مخاوف جدية من أن تزداد وتيرة الضربات الأميركية في المرحلة المقبلة ضد جماعة الحوثي، في إطار رسائل تريد واشنطن أن تبعثها لطهران، من أجل دفعها إلى طاولة المفاوضات بشأن ملفها النووي تارة بالترغيب وتارة أخرى بالترهيب . وبما يشكله ذلك من ضغوطات على إيران، وما تبقى من أذرعها في المنطقة . في ظل جهود أميركية تبذل لتمديد المرحلة الأولى في هدنة غزة، بعد تعنت إسرائيل ورفضها بدء مفاوضات مع "حماس" بشأن المرحلة الثانية من الهدنة.