في حمأة الحراك الدبلوماسي الأميركي اللافت تجاه لبنان، وفيما يحضر الملف اللبناني على طاولة اجتماع القاهرة بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والملك الأردني عبدالله الثاني والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، كشفت مصادر رفيعة ل"موقع اللواء"، أن الموقف الرسمي اللبناني الذي سمعته المبعوثة الأميركية مورغن أورتاغوس خلال زيارتها الأخيرة لبيروت كان موحداً وواضحاً، في ما يتصل بمطالب واشنطن نزع سلاح "حزب الله" تحديداً، لجهة أن بيروت تعتبر أن هذا الموضوع شديد الحساسية والدقة، وهو أمر لا يمكن معالجته إلا بالحكمة والتروي، من خلال ملف الاستراتيجية الدفاعية التي سيتم بحثها في المرحلة المقبلة . وعليه فإن ما ذكر عن اشتراط الأميركيين مهلة زمنية لتنفيذ هذا المطلب، أمر غير واقعي وغير منطقي، لما يمكن أن يترتب عن ذلك من تداعيات بالغة الخطورة على استقرار لبنان . وأشارت المصادر إلى أن المسؤولين اللبنانيين أبلغوا المسؤولة الأميركية، أن الجيش اللبناني يقوم بتنفيذ مهماته في منطقة جنوب الليطاني على أكمل وجه، وأنه أحكم سيطرته على جميع مواقع "حزب الله"، إضافة إلى مصادرته كميات كبيرة من الأسلحة العائدة ل"الحزب"، في ظل تنسيق مستمر وعلى أعلى المستويات مع قوات "يونيفيل"، في وقت تواصل إسرائيل خرقها لاتفاق وقف إطلاق النار، باستهداف شبه يومي لمواطنين لبنانيين، بذريعة تهديد أمنها، دون أن تحرك واشنطن ساكناً لوقف الممارسات العدوانية الإسرائيلية.
ورغم طلب القيادة السياسية اللبنانية من مبعوثة الإدارة الأميركية، حث إسرائيل على الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف مسلسل اعتداءاتها، إلا أنه لم يتم الحصول من أرتاغوس على أي وعد بمساعدة واشنطن على تنفيذ هذا المطلب . كذلك أشارت معلومات "موقع اللواء"، إلا أن الموفدة الأميركية التي شددت على أهمية التزام لبنان ببند الإصلاحات، كمدخل للمساعدة في عملية الإعمار والنهوض الاقتصادي، جددت في اللقاءات التي عقدتها مع وزر المال وحاكم مصرف لبنان، ضرورة التزام لبنان كذلك، بالعمل على محاصرة "حزب الله" مالياً، إلى جانب الحملة العسكرية التي تستهدفه، سيما وأن الإدارة الأميركية لا زالت مستمرة في العمل من أجل تجفيف منابع "الحزب" المالية، وتالياً فإنها لن تسمح بأي تساهل على هذا الصعيد، كاشفة أن إدارتها ستعمل على تشديد العقوبات المالية على كل الكيانات والأفراد الذين يدورون في فلك النظام الإيراني وأذرعه في لبنان والمنطقة . وإذا كانت أورتاغوس لم تدل بتصريحات علنية على غرار زيارتها السابقة، إلا أن المعلومات أشارت إلى أنها لم تتخل عن لغتها التهديدية في اللقاءات التي عقدتها، في حال لم يقم لبنان بما عليه، سيما في ملف "حزب الله" وفي موضوع الإصلاحات ومكافحة الإرهاب وعمليات تبييض الأموال .
وقد جاءت مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام وفد مجموعة العمل الأميركية لدعم لبنان (ATFL)، حيث تم بحث الأوضاع اللبنانية والإصلاحات الجارية، بمثابة رد على المطالب الأميركية والدولية، وأن لبنان حريص على تنفيذ ما يصب في مصلحته، وما يساعده على الخروج من أزماته، لجهة التزام الكامل بتنفيذ الإصلاحات الضرورية، والتشديد على أهمية استكمال مسار الإصلاحات وفقًا للخطط الموضوعة. كما أكد أن لبنان سيظل ملتزمًا بتنفيذ القرار 1701 بشكل كامل، الذي يهدف إلى تعزيز الاستقرار في الجنوب اللبناني. ولا تخفي أوساط وزارية خشيتها من تداعيات بقاء الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الخمس في المرحلة المقبلة، سيما في ظل استمرار الدعم الأميركي لكل ما تقوم به إسرائيل في لبنان . وهو ما عبر عنه رئيس الجمهورية الذي أعرب عن قلقه من استمرار احتلال إسرائيل للنقاط الخمس التي تمركزت فيها على الأراضي اللبنانية، مؤكدًا أن بقاء إسرائيل في تلك المواقع لن يكون مفيدًا للبنان، بل سيزيد الوضع تعقيدًا ويؤثر سلبًا على الاستقرار في المنطقة. في إشارة إلى أن لبنان قد يجد نفسه مضطراً لاستخدام كافة الوسائل لتحرير أرضه .
وتأتي المواقف اللبنانية في هذا الخصوص، استكمالاً للمطالب التي تقدمت بها الحكومة أكثر من مرة إلى اللجنة الأمنية الخماسية بضرورة أن تسحب إسرائيل جيشها من الأراضي اللبنانية، وأن تكف عن مواصلة اعتداءاتها وسياسة الاستهدافات الجوية التي تقوم بها، بعدما أكدت بيروت الالتزام بتطبيق ال1701 نصاً وروحاً، كما ينص على ذلك وقف إطلاق النار. وبالتالي فإن هناك إجماعاً لبنانياً على أهمية هذا القرار، شريطة التزام العدو الواضح بهذا الأمر، والكف عن المناورات الهادفة إلى الالتفاف على مضامين القرار الدولي، وبما قد يبقي على احتلاله لمناطق في الجنوب، من أجل الدخول في مرحلة مفاوضات جديدة، لإرساء معادلات يستفيد منها الإسرائيلي لفرض شروطه على لبنان، في ظل ضغوطات أميركية ودولية لفتح أبواب التطبيع مع إسرائيل، سيما وأن هناك مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي، سبق وعملوا على جس نبض لبنان حيال طروحات معينة من هذا القبيل، لكنهم جوبهوا بالرفض، باعتبار أن لا مصلحة للبنان بسلوك هذا الطريق، فيما المطلوب التزام إسرائيل باتفاق وقف النار والانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية دون قيد أو شرط . وقد ردت مصادر لبنانية على ما ذكر من كلام أميركي، بأن إسرائيل قد لا تنسحب في وقت قريب من النقاط الخمس، بأنه ليس أمام العدو من خيار، إلا بالانسحاب الكامل وفق لمضمون الاتفاق الذي تم التوصل إليه برعاية أميركية فرنسية .
وهو الموقف نفسه الذي تبلغه لبنان من مسؤولين أمميين كبار، بأن المنظمة الدولية وأمينها العام أنطونيو غوتيرش يشددان على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بكامل بنوده، أي بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، كذلك وجوب التزام "حزب الله" ببنود اتفاق وقف النار . ولا يخفي في هذا الإطار مسؤولون أمميون قلقهم من خطورة استمرار إسرائيل في احتلال النقاط الخمس، خلافاً لما ينص عليه هذا الاتفاق، لأن هناك خشية حقيقية من أن تأخذ الأمور منحى تصعيدياً، في حال لم تنسحب إسرائيل، وما قد يقابل ذلك من ردة فعل، ما يهدد الاتفاق برمته . وهذا ما يفرض على الجميع الالتزام بنصوص القرار 1701 الذي يمثل حجر الزاوية لتحقيق الاستقرار الدائم، ما يرتب على كافة الأطراف، ضرورة اتخاذ كل ما يلزم من أجل احترام وتنفيذ بنوده لتأمين الاستقرار والسلام في جنوب لبنان .