بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 تشرين الأول 2025 12:05ص وصفة ترامب لتركيع غزة

حجم الخط
د. رشا أبو حيدر

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح نفسه في قلب الملف الفلسطيني عبر مبادرة لوقف القتال في غزة. المبادرة، التي جاءت في صياغة مطوّلة، تبدو للوهلة الأولى وكأنها تحمل أفقاً إنسانياً وتنموياً لسكان القطاع المنهك بالحرب والحصار، لكنها في العمق تطرح معادلة جديدة تعيد إنتاج موازين القوى لصالح إسرائيل، مع إقصاء كامل لحركة حماس والفصائل المسلحة.
في الجانب الإيجابي، تقترح الخطة وقفاً فورياً للعمليات العسكرية، انسحاباً تدريجياً للجيش الإسرائيلي، وإطلاق سراح الأسرى والرهائن من الطرفين. كما تتضمن إدخال مساعدات عاجلة، إعادة تأهيل البنية التحتية، إنشاء منطقة اقتصادية خاصة، وجذب استثمارات دولية واسعة. هذه البنود تحمل وعوداً بانتشال غزة من أزمتها الإنسانية، وفتح نافذة نحو تنمية اقتصادية قد تخفّف من المعاناة المستمرة منذ سنوات.
غير أن القراءة السياسية تكشف وجهاً آخر. فالمبادرة تجعل نزع سلاح غزة وتدمير بنيتها العسكرية شرطاً أساسياً، وتفرض حكماً انتقالياً بإشراف دولي مباشر، يرأسه ترامب نفسه، مع استبعاد حماس كلياً من المشهد السياسي والإداري. كذلك تبقي إسرائيل على «محيط أمني» وعلى دور محوري في مراقبة الحدود والمعابر، ما يعني أن غزة ستبقى عملياً تحت معادلة أمنية إسرائيلية وإن بواجهة دولية.
الأخطر أن المبادرة تعالج الجانب الإنساني والاقتصادي بشكل مشروط، حيث يُربط إدخال المساعدات وإعادة الإعمار بقبول الشروط الأمنية والسياسية الجديدة. كما أن الأفق السياسي مؤجل إلى «مرحلة لاحقة»، مرهون بإصلاح السلطة الفلسطينية وتطويعها ضمن مقترحات سابقة، أبرزها «صفقة القرن».
خلاصة القول إن مبادرة ترامب قد تُخفف من المعاناة الإنسانية وتفتح الباب أمام إعمار واسع، لكنها في المقابل تُقايض ذلك بثمن سياسي وأمني باهظ: تجريد المقاومة من سلاحها، وتكريس معادلة تجعل غزة منطقة خاضعة للرقابة الأمنية الإسرائيلية والدولية، أكثر من كونها أرضاً تسعى نحو السيادة وتقرير المصير. وهو ما يجعل المبادرة، في نظر كثيرين، فرصة إنسانية قصيرة الأجل، لكنها سياسية تصبُّ أولاً في مصلحة إسرائيل.