د. جيرار ديب
«لا مجال لأي فرصة إيجابية للبنان في ظلّ النفوذ الإيراني، والتخبط الدولي والانقسام الوطني واستعار الطائفية واهتراء الدولة». بهذه الجملة «علّق عمله السياسي» رئيس حكومة لبنان الأسبق، سعد الحريري، في بيت الوسط، الاثنين 24 كانون الثاني عام 2022، مؤكداً عزوفه عن خوض الانتخابات النيابية، هو وتياره الأزرق.
أربع أعوام والحريري يقتصر الحضور على لقاء جمهوره، على مشاركته جماهيره كل 14 شباط أي ذكرى استشهاد رئيس الحكومة الأسبق، رفيق الحريري، التي أصدرت محكمة العدل الدولية بإدانة عناصر من حزب الله بالتخطيط والتنفيذ لاغتياله عام 2005، في بيروت، تحديداً في منطقة السان جورج.
تعيش الساحة اللبنانية اليوم على وقع ارتدادات التغييرات الجيوسياسية في المنطقة، في ظلّ تراجع النفوذ الإيراني، وتلقّي حزب الله ضربات عسكرية بعد حربه مع إسرائيل عام 2024، ووصول جوزاف عون إلى سدّة الرئاسة رافعاً شعار عودة الدولة وحصرية السلاح. فهل هذه التغييرات ستحمل سعد الحريري على العزوف عن قرار «الاعتكاف» مع مرور 21 عاماً على ذكرى الاغتيال في سعي جديّ لإحياء الحريرية السياسية؟ أم هناك معيقات أخرى برزت كالخلاف المستجد السعودي - الإماراتي؟
عمل رفيق الحريري على اتباع نهج بناء الدولة القائمة على المشاركة الفعّالة في السلطة من خلال إعطاء صلاحيات للرئاسة الثالثة، إلى جانب سلطة رئاسة الجمهورية الأولى، والمجلس النيابي الثانية، وهذا ما أطلق عليه في مرحلة من تاريخ لبنان بمفهوم «الترويكا». حظيّ رفيق الحريري بدعم المملكة العربية السعودية التي شكّلت وجهته السياسية كما مرجعيته الدينية، كما ودخل في صدامات «سياسية» مع النفوذ السوري الذي فرض هيمنته على البلاد بالتنسيق التام مع الحضور الإيراني المتمثل في حزب الله، لهذا أقدم في مرات كثيرة على الاعتكاف السياسي.
لا نقاش أن الحريرية السياسية أعادت لبنان إلى الخارطة العربية والدولية، وميّز موقعه كوجه حضاري في منطقة الشرق الأوسط، وذلك بعد حرب أهلية دامت 15 عاماً استنزفت كل مقدراته، وبعد اتفاق عقد في المملكة العربية السعودية، عرف بـ«اتفاق الطائف». ومع استشهاد رفيق الحريري اعتبرت شريحة واسعة من اللبنانيين بأنّ «حلم» لبنان الجميل هو الذي اغتيل، ولا سيما إنّ الجريمة فتحت على لبنان سلسلة من الاغتيالات لسياسيين معارضين للنظام السوري، منهم جبران تويني رئيس تحرير صحيفة «النهار» اللبنانية.
إن سقوط نظام الطاغية بشار الأسد فتح في المجال لتقليص الهيمنة الإيرانية، وسمح بالدولة للسير على خطى التعافي، خصوصاً وإن هذا النظام كان يتدخّل في «الشاردة والواردة» في كافة مجالات الحياة اللبنانية. هذه المتغيّرات أعطت أملاً لجماهير تيار المستقبل بالعودة إلى المشاركة في العمل السياسي، خصوصاً وإن الجميع توافق على إن غياب هذا التيار شكّل فراغاً سياسياً، لدى الطائفة السنية خاصة.
حالة من «الانقشاع» العام تسيطر على لبنان والمنطقة في ظلّ استمرار الإدارة الأميركية ممارسة الضغط على النظام في إيران، الأمر الذي نتج عنه تراجعاً ملحوظاً لا سيما في دعم وكلائه. وترافق مع هذه الحالة، الجولات المكوكية التي يقوم بها أمين عام تيار المستقبل، أحمد الحريري، وتعمّد السيدة بهية الحريري على تفعيل حضورها في صيدا من خلال سلسلة لقاءات تقوم بها في المدينة والجوار. مؤشرات العودة واضحة، وعلى ما يبدو ضرورية، بسبب ظهور زعامات موضعية في أكثر من منطقة كانت بالأمس القريب تنتمي إلى مدرسة الحريرية السياسية.
بين «التنمي» و«الواقع» قد تدخل عراقيل جديدة تعمل على «فرملة» زخم عودة التيار الأزرق إلى الحياة السياسية، وعلى رأسها هذا النزاع المستجد والمفاجئ بين المملكة العربية السعودية، التي كان لها اليد الطولى في الدفع بالشيخ سعد نحو تعليق عمله السياسي، لأسباب ربطتها مصادر مقرّبة من السفارة السعودية في بيروت إلى تقديمه الكثير من التنازلات إلى حزب الله. وبين دولة الإمارات المتحدة، التي فتحت أبوابها لسعد الحريري عبر احتضانه وإعادة هيكلة أعماله الاقتصادية التي شهدت على تراجع ملحوظ.
هذا الخلاف بين الجارتين تفجّر في موضوع اليمن، تحديداً في حضرموت حيث دفعت بالرياض إلى اتخاذ موقف حاسم طالب من الإمارات الكفّ عن التدخّل في الشأن اليمني. في أكثر من مكان في المنطقة يظهر التنافس بين المملكة والإمارات، فالسودان أيضاً نموذجاً لذلك، لهذا يضع البعض من المتابع، أن يكون لهذا التنافس تأثيراً سلبياً على قرار تعليق المشاركة في لبنان.
هناك خوف من ارتداد ذلك التنافس على لبنان، الذي يحتاج إلى أن يكون حليفاً واضحاً لأشقائه العرب، تحديداً الخليجيين. فخطاب القسم للرئيس عون، والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام، أكدا على عمق لبنان وتلاحمه العربي، وهو خارج الاصطفاف بين الأخوة. حالة من «الترقّب» تعيشها الساحة اللبنانية، وسط رياح تعصف بالبلد مع إصرار الحزب على التمسّك بسلاحه وفي ضوء ارتفاع منسوب التهديد الإسرائيلي، فهل سيأخذ الشيخ سعد قرار المواجهة ويعلق قرار الاعتكاف ويخوض تجربة إماراتية في لبنان؟ هذا كلّه مرهون بما ستحمله الساعات القادمة.