بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 تشرين الثاني 2025 12:00ص ملحم بركات.. العبقري المتمرّد! رحيل لا يُغيّب الحضور

حجم الخط
في يوم 28 تشرين الأول من عام 2016، طوى لبنان صفحة من أجمل فصول تاريخه الموسيقي، برحيل الموسيقار ملحم بركات، الرجل الذي لم يكن مجرد مطرب أو ملحن، بل حالة فنية وإنسانية متكاملة.
تسع سنوات مرّت، وصدى صوته لا يزال يملأ الفضاءات اللبنانية والعربية، من المقاهي الجبلية إلى حفلات الأعراس، ومن الإذاعات القديمة إلى المنصّات الحديثة.
الفنان الحقيقي لا يموت، لأن صوته يتحوّل إلى ذاكرة وطنية. وملحم بركات كان ابن هذه الذاكرة، وصانعها في آنٍ واحد، لأنه غنّى من وجدان الناس، لا من فوقهم.

فنان شقي ومتمرّد

وُلد في كفرشيما عام 1942، في زمن كان فيه الفن اللبناني يبحث عن هويته المستقلة. ومنذ بداياته، حمل ملحم بركات ملامح المتمرّد الذي يرفض التكرار ويهوى المغامرة.
كان يرفض أن يكون نسخة عن أحد، حتى عندما اقترب من مدرسة الرحابنة، ظلّ محتفّظاً بصوته المختلف ومزاجه الفني الفريد.
اشتهر بين معاصريه بشخصيته النارية وحضوره الطاغي، فكان يقول ما يفكّر به بلا مواربة. كان عنيفاً في صدقه، محبًّا بصدق، غاضباً بصدق، وفي كل ما فعله كان أصيلاً لا يعرف الزيف. لذلك، لم يكن محبوباً من الجميع، لكنه كان محترماً من الجميع.
قال ذات مرة في مقابلة تلفزيونية: «أنا ما بعمل موسيقى ترضي السوق، بعمل موسيقى ترضي قلبي»، وهي عبارة تختصر فلسفته كلها: أن الموسيقى ليست مهنة، بل قَدَر.

الولد الذي تحدّى عبد الوهاب

عندما طلب ملحم من والده السماح له بدراسة الموسيقى، أجابه الأب متعجّباً: «هناك عبد الوهاب في الساحة، وتريد أن تصبح فناناً؟!».
لكنّ الولد لم يتراجع، بل ترك المدرسة وهو في السادسة عشرة من عمره عام 1960، والتحق سرًّا بالمعهد الوطني للموسيقى (الكونسرفاتوار)، يخفي كتبه في كيس ورقي عند باب البيت حتى لا يُكشف أمره. وحين اكتشف الوالد السرّ، استسلم أمام موهبة ابنه وإصراره.
في المعهد، تتلمذ على أيدي كبار الأساتذة مثل زكي ناصيف وتوفيق الباشا وسليم الحلو، فتعلّم أصول الصولفيج والنظريات الموسيقية والعزف على العود. كان من الطلاب المتفوّقين، لكن ما ميّزه عن سواه هو أنّه كان يسمع بعينين متّقدتين كأن النغمة بالنسبة إليه حياة أو موت.

من مسرح الرحابنة إلى الطريق الخاص

نصحه الفنان فيلمون وهبي بالانضمام إلى مسرح الأخوين رحباني، ففعل، وكانت انطلاقته الحقيقية من هناك. شارك في مسرحيات مثل «الليل والقنديل» و«بيّاع الخواتم» و«فخر الدين» و«الشخص» إلى جانب السيدة فيروز.
غير أن الموهبة المندفعة لم تحتمل الانضباط الرحباني طويلاً. فقرر عام 1968 أن يشق طريقه الخاص، مؤمناً بأن لديه ما يقوله بأسلوبه، بعيداً عن أي سلطة فنية مهما عظمت.
تلك الخطوة، التي بدت للبعض مخاطرة، كانت في الحقيقة ولادة مدرسة جديدة في الغناء اللبناني، مدرسة تمزج بين العاطفة المشتعلة والصرامة اللحنية، بين اللهجة الشعبية والبُعد الدرامي في الأداء.

مدرسة في التلحين والغناء

منذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ ملحم بركات يشق طريقه كملحن ومطرب متفرّد، فكان صوته يحمل شجن الجبل وصلابة البحر. امتلك قدرة نادرة على تحويل الجملة الموسيقية إلى مشهد درامي، وعلى جعل اللحن يحكي كما الكلمات.
لحّن لكبار النجوم: صباح، وديع الصافي، ماجدة الرومي، سميرة توفيق، وليد توفيق، بسكال صقر، ميشلين خليفة وغيرهم. وكانت ألحانه تحمل توقيعه الفريد، مهما أدّاها الآخرون.
من أشهر أعماله: «تعا ننسى»، «على بابي واقف قمرين»، «يا حبيب الروح»، «شباك حبيبي»، «علواه يا ليلى»، «بلغي كل مواعيدي»، وغيرها من الأغنيات التي أصبحت من كلاسيكيات الغناء العربي الحديث.
في المسرح الغنائي، كان حضوره طاغياً في أعمال مثل «الأميرة زمرد»، «الفنون جنون»، «حلوي كتير» و«ومشيت بطريقي» إلى جانب الراحلة داني بسترس، في تجربة جسّدت التقاء الغناء بالتمثيل في أبهى صوره.

من أزنافور إلى الموال اللبناني

في تكوينه الفني، كان بركات أقرب إلى المدرسة الدراماتيكية الفرنسية التي يمثلها شارل أزنافور. كان يُجسّد الأغنية بصوته وجسده معاً، وكأنها مسرحية مصغّرة، فيها حزن وحنين وشغف.
أغنيته «وحدي أنا» مثلاً، تحاكي في وجعها الهادئ روح أزنافور، لكن بلكنة لبنانية خالصة. وقد حوّل الموال إلى مساحة للتحدّي بينه وبين جمهوره، يختبر فيها قوة صوته وحدود إحساسه.

مجدّد الأغنية اللبنانية

ينتمي ملحم بركات إلى الجيل الثاني من روّاد الأغنية اللبنانية، وأحد أبرز من أعاد إليها وهجها بعد الرحابنة وفيلمون وهبي. كان يعتبر أنّ الأغنية اللبنانية ليست لهجة فحسب، بل هوية وطنية يجب الدفاع عنها.
في زمن كان الفن العربي يتجه نحو العولمة الموسيقية، ظلّ متمسّكاً بجذوره، فكان يرفض الغناء بغير اللهجة اللبنانية، حتى لو خسر بذلك جماهيرية أوسع. وكان يقول دائماً: «ما بقدر غنّي بلهجة مش إلي، الكلمة لازم تكون من تراب بلادي».
أغنياته لم تكن مجرد نغم، بل كانت صورة عن لبنان الآخر، لبنان الفرح والكرامة والعناد والدمعة الصادقة. ولذلك ظلّ رمزاً للأصالة في زمن التسطيح.

بين الغناء والموقف

لم يكن بركات محايداً في حياته أو فنه. كان ابن بيئته، يقول رأيه بصراحة ويقف مع ما يراه حقًّا، حتى لو كلّفه ذلك عداوات فنية. وفي سنوات الحرب اللبنانية، رفض مغادرة البلاد رغم الإغراءات الكبيرة، مؤكداً أن الفنان الذي يترك جمهوره في المحنة يفقد جزءاً من صدقه.
كان يرى في الفن موقفاً أخلاقياً قبل أن يكون شهرة أو مكسباً، وكان يردّد: «الفنان الحقيقي ما بيغنّي ليربح، بيغنّي ليضلّ».

الرحيل والوصية غير المكتملة

في 28 تشرين الأول 2016، أُسدِل الستار على حياة موسيقارٍ استثنائيّ بعد صراع قصير مع المرض. رحل قبل أن يُكمل مقطوعته الأخيرة، تاركاً مساحة من الحنين لا تُقاس.
شيّعه لبنان كله كما لم يشيّع فناناً من قبل، فخرجت الجماهير من كل الطوائف والمناطق تودّعه كما يُودَّع واحد من أبناء البيت. وكأن رحيله أعاد جمع اللبنانيين على لحنٍ واحدٍ اسمه «ملحم بركات».

الحضور الذي لا يغيب

تسع سنوات مرّت، وملحم بركات ما زال يعيش فينا. صوته حاضر في الأفراح، في الشاشات، وفي ذاكرة الناس البسيطة. أغنياته تتداولها الأجيال الجديدة كأنها صُنعت اليوم، لأنّ الفن الصادق لا يشيخ.
في زمنٍ يُقاس فيه النجاح بعدد المشاهدات، يبقى «أبو مجد» مقياساً للصدق والعنفوان، وصوتاً لا يُشبه أحداً.
في كل تشرين، حين نسمع صوته يصدح: «تعا ننسى»، ندرك أن النسيان مستحيل.

(*) إعلامي وباحث في التراث الشعبي