بيروت تحيي ذكرى عميد "اللواء" في جامع الأمين: تظاهرة وطنية جامعة حول نهج الإعتدال
حجم الخط
اجتمع لبنان بكل ألوانه وأطيافه السياسية والدينية والإعلامية الرسمية والشعبية، في وقفة وفاء وتقدير لعميد «اللـواء» الراحل عبد الغني سلام، في ذكرى غيابه، بعد رحلة طويلة وشاقّة على صفحات «اللواء» بكل ثبات ومسؤولية، ترك خلالها بصمات لا تُمحى في عالم السياسة والإعلام، وفي ميادين الخير، والحوار بين الناس على الكلمة الوطنية السواء.
تحت قبّة «مسجد محمد الأمين» في وسط بيروت، الذي رفع الراحل لواء إعماره عبر صفحات «اللـواء»، وفي «قاعة الرئيس الشهيد رفيق الحريري»، التقى لبنان بمسلميه ومسيحييه وبأرفع مستوى، ليُحيي ذكرى عميد «اللـواء» الذي كان بمثابة سنديانة بيروتية عريقة ضاربة جذورها في أعماق تراب العاصمة، وظلّلت بأغصانها الوطن كله، وأنارت بزيتها الطيب دروب الخير، وكانت على الدوام القاسم المشترك لتلاقي كل التحالفات كما التناقضات، حتى شهد له الجميع بالصدق والنزاهة والعمل الدؤوب لخدمة لبنان وقضايا العرب والمسلمين والإنسانية جمعاء.
غصّت «قاعة الرئيس الشهيد رفيق الحريري» بالحضور، الذين احتشدوا من مختلف المناطق والطوائف ليشهدوا شهادة حق وتقدير لرجل كبير من رجالات الإعلام والسياسة في لبنان.
ثماني كلمات وست شهادات أرّخت لبعض من مسيرة عبد الغني سلام الغنيّة بكل مفاصلها وتفاصيلها في ميادين الفكر والثقافة والسياسة والأخلاق والسلام والإيمان وحب الخير الذي أحبه الراحل الكبير.
استهل الحفل التكريمي بتلاوة مباركة من القرآن الكريم للشيخ الحافظ عماد صبح، فكلمات لكل من: رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، الرئيس أمين الجميّل، مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز نعيم حسن، المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، مطران بيروت للموارنة بولس مطر، وأصدقاء الفقيد للوزير السابق الدكتور خالد قباني، وكلمة العائلة وأسرة «اللـواء لرئيس التحرير الأستاذ صلاح سلام، فيما قدّم الاحتفال عدنان فاكهاني.
أما الشهادات بالراحل الكبير فكانت للرؤساء: ميشال سليمان، حسين الحسيني، فؤاد السنيورة، نجيب ميقاتي، تمام سلام ووزير التربية والتعليم العالي مروان حمادة.
وأجمعت الكلمات والشهادات على الإشادة بالدور الإعلامي والوطني الكبير الذي لعبه العميد الراحل، وبمناقبيته المهنية الرفيعة، وبمواقف الاعتدال التي تميّزت بها «اللـواء» في أحلك الظروف، ودفعت أثماناً كبيرة من السجن إلى التهديدات والضغوطات والتفجير والتضييق السياسي والمالي، لترهيب كلمة «اللـواء» الحرّة دون أنْ تنال من عزيمتها وثباتها على قول الحق والحقيقة مهما كلّف الأمر وغلت التضحيات.
ونوّهت الكلمات والشهادات بالخطى الثابتة لرئيس التحرير صلاح سلام على نهج الراحل الكبير، في خدمة الإعلام الموضوعي، والقضايا الوطنية المحقة، والحفاظ على نهج الاعتدال وقضايا العرب، وفي طليعتها قضية فلسطين.
تقدّم الحضور الحاشد: ممثّل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، ممثّل رئيس مجلس النواب نبيه برّي النائب علي عسيران، الرئيس السابق العماد ميشال سليمان، الرئيس حسين الحسيني، الرئيس تمام سلام وعقيلته لمى، ممثّل الرئيس فؤاد السنيورة النائب عمار حوري، ممثّل الرئيس نجيب ميقاتي الوزير السابق وليد الداعوق، الوزراء: نهاد المشنوق، مروان حمادة، غطاس خوري وجمال الجراح، النوّاب: عماد الحوت، عاطف مجدلاني ومحمّد الحجار، ممثّل وزير العدل سليم جريصاتي القاضي يحيى غبورة، الوزراء السابقون: محمّد يوسف بيضون، بهيج طبارة، حسن السبع، عبد الرحيم مراد، عدنان القصار، محمّد المشنوق وعصام نعمان، النوّاب السابقون: سليم دياب، عمر مسيكة، محمّد الأمين عيتاني وزهير العبيدي، مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار على رأس وفد كبير من علماء طرابلس، مفتي صيدا وأقضيتها الشيخ سليم سوسان، أمين عام مجلس الوزراء فؤاد فليفل، رئيس «حزب الحوار الوطني» فؤاد مخزومي، رئيس مجلس بلدية بيروت جمال عيتاني، ممثّل رئيس «حزب الكتائب» النائب سامي الجميل أسعد مارون، ممثّل رئيس «حزب الأحرار» النائب دوري شمعون إميل العلية، ممثّل قائد الجيش العماد جوزاف عون العميد علي حناوي، ممثّل المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم العقيد الياس الأشهب، ممثّل المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان العقيد ايلي الديك، المدعي العام التمييزي السابق القاضي سعيد ميرزا، المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء إبراهيم بصبوص، نقيب المحرّرين إلياس عون، سفير الجمهورية التونسية كريم بودالي، ممثّل سفير دولة الكويت عبد العال القناعي عبدالله شاهين، ممثّل سفير دولة فلسطين اشرف دبور المستشار حسان ششنيه، القنصل في سفارة جمهورية مصر العربية جواد سامي، أمين سر فصائل «منظمة التحرير الفلسطينية» في لبنان فتحي أبو العردات، ممثّل العلامة السيّد علي فضل الله فؤاد خريس، رئيس اتحاد العائلات البيروتية محمد عفيف يموت، ممثّل أمين عام «تيار المستقبل» أحمد الحريري عبد السلام موسى، عبد الإله ميقاتي على رأس وفد كبير من جمعية «العزم»، وفد من شباب المستقبل برئاسة وليد دمشقية.
وحشد من رجال الدين المسلمين والمسيحيين،قضاة وضباط امنيين وعسكريين حاليين وسابقين وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، ورؤساء بلديات وأعضاء مجالس بلدية واختيارية ورؤساء وممثلي جمعيات وهيئات اقتصادية ونقابية واجتماعية وإعلامية.
وتوالى على الكلام...
الرئيس الحريري
استهل رئيس الحكومة سعد الحريري كلمته قائلاً: «بداية أود أن أقول إنّه كلما تذكرت العميد عبد الغني سلام أتذكر ابتسامته التي لم تكن تفارق وجهه حتى في أحلك الظروف، لقد مررنا بمصاعب كثيرة منذ لحظة استشهاد الوالد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكن العميد لم يأت يوماً مع السيد صلاح سلام إلا وكانت الابتسامة مرسومة على وجهه وهذه من الذكريات التي ستبقى راسخة فينا عنه».
وأضاف: «عندما نذكر فقيدنا المرحوم عبد الغني سلام، إنّما نذكر علما من أعلام بيروت، وعميدا من أعمدة الصحافة اللبنانية، ورفيقا لمسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كان رحمه الله بيروتياً بامتياز، بيروتي الوفاء، والثبات، والآدمية، والصدق، وسليل عائلة كريمة أعطت لبنان رجالات تقدّموا في السياسة والثقافة، والنشاط الاقتصادي والاجتماعي».
وأكد أنّ «العميد عبد الغني سلام جسّد في مسيرته الشخصية والمهنية، كل ما تمثله بيروت: دافع عن العيش الواحد، وصان الاعتدال، نبذ الفتنة، والخروج على القوانين، سعى للديمقراطية وحرية الرأي، ونادى بمشروع الدولة، طالب بوقف الدمار، وانخرط في إعادة الإعمار، ولم يتخل يوماً عن انتمائنا العميق لعروبتنا، ولقضايانا العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين».
وتابع: «في وداع العميد أقول: خسارتنا برحيلك كبيرة، في بيروت، وفي لبنان، خسارة لواء من ألوية الحرية والخير، وعميد لصحيفة تجاهد على طريق الحق والعروبة، وتصون الإعتدال بأقلامها الحرّة وصمود العاملين فيها. عزاؤنا أنّ مؤسّستك مستمرة، ورفاق مسيرتك يتابعونها، وأهلك في عائلتك الكريمة، وفي كل بيروت متمسّكون بالعيش الواحد والسلم الأهلي، بمشروع الدولة، بانتماء لبنان إلى العروبة وقضاياها».
وختم: «رحم الله فقيدنا الغالي، العميد الراحل عبد الغني سلام، عشتم، عاشت «اللواء»، عاشت بيروت التي ستبقى تتذكره، وعاش لبنان».
الرئيس الجميل
ثم تحدث الرئيس أمين الجميل فقال: «عبد الغني سلام إبن هذه العائلة العريقة – آل سلام - التي أعطت رجالات للبنان في الوطنية والسياسة والاعلام والشأن العام، المسلم السني المؤمن بربه، السابح في بحر من الاعتدال لا ينضب، وفي جرف لا ييأس ولا ييبس من الحوار والانفتاح والتكامل والتوازن».
وأضاف: «إبن بيروت العاصمة، عاشقها، ربيبها، لبيبها، ورافع فيها لواء لبنان المسيج سيادة وحرية وديمقراطية. رجل سلام كان عبد الغني، يطمح الى بيروت راقية والى لبنان موحدا، مستقرا. هو من كتب عن هذه الـ»بيروت» الاستاذة في الوطنية، فهو حامل مشعل القضايا العربية وفي مقدمها القضية الفلسطينية، مدافعا عن حق العودة وما أسماه النحت في صخر الطريق الى فلسطين».
وتابع: «نلتقي في حضرة مكونات كان لها شرف الشراكة في أساسات لبنان وقيمه وتجربته الفريدة، لإحياء ذكرى هذا الرجل الكبير. كلهم هنا، من بيروت والمناطق، جامع وكنيسة، مئذنة وصليب، لا تعايش بل عيش واحد، لا مساكنة بل سكون في رمزية تجسد لبنان التاريخ ولبنان المصير. وهذا أصدق تعبير عن تطلعات الراحل الكبير وفلسفته في الوطن».
وأردف: «يا عزيزي صلاح، بورك فكرك الذي حط في جامع محمد الامين، الشاهد مع كاتدرائية مار جرجس والكنائس المحيطة، على عراقة بيروت وأصالة البيارتة. نعم، نحن في مقام رمز، شاءه دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري معلما إيمانيا في وسط العاصمة، مئذنة تعانق أجراس الكنائس، ليمتزج الآذان بالتراتيل، والقرآن بالانجيل».
وأكد أنّ «عبد الغني سلام حامل قلم لا يسخره إلا للقضايا الشريفة، صاحب صحيفة بيضاء هو، لم تعرف الاوراق الصفر والدكتيلو المهين للحقيقة والمستكتب الصحافة المأجورة. كتب في ستينيات القرن الماضي ما يصلح لهذا الزمن وكأنّه يعاصر الاحداث من عليائه. أشار الى الانتخاب السلبي في زمن نعيش فيه التمديد السلبي. كتب عن الضرائب والهدر والفساد كأنه كان يكتب عن السلسلة ومرفقاتها الضريبية اليوم».
وختم: «لو قدر لشرفة بكفيا أن تحكي لروت مواقف جمعت الوالد الراحل بالصديق الراحل، ثم أكملت متعة هذه الحوارات، وهي إن دلت على شيء فعلى حرصه الكبير على لبنان، وخوفه الكبير على لبنان، وحبه الكبير للبنان. وما يعزيني أن رافع اللواء الصديق صلاح يتابع الرسالة الوطنية والسياسية والاعلامية والانسانية بثبات وأمانة وجدارة وإئتمان. والسلام».
المفتي دريان
وألقى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان كلمة بدأها بقول المولى عز وجل في محكم تنزيله: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون).. عبد الغني سلام.. رحمه الله تعالى».
وقال: «هي الأحداث تفرض ذكراه، وما أكثرها وما أغزرها، وتردد مع كل حدث ومع طلعة كل شمس، إسم عبد الغني سلام. هو من كان رفيقا للوطن، لا يمله ولا يغادره، ويشارك في أفراحه وأتراحه، في انتصاراته وهزائمه، ويعيشه في كل لحظة وفي كل ساعة، وفي كل يوم، كأنه نبض حياته، فما بالك إذا كانت الأحداث لا تتوقف في لبنان، وما بالك إذا كانت ساعة الزمن، تترافق مع طلوع الشمس وغروبها، وتأخذ معها اللبنانيين في دورة الحياة».
وتابع: «هكذا، كانت حياة عبد الغني سلام، تدور مع دورة الزمن، في حالة يقظة دائمة، نابضة بالحركة وبالشعور المرهف، خفاقة لا تعرف السكون ولا التوقف. كان شديد الانتباه، لا يغفل عن حدث، يتفاعل مع محيطه، ومع قضايا مجتمعه ووطنه وأمته، ومتى ناداه الواجب وجده حاضرا وجاهزا وملبيا، لا يقعده شيء عن الاستجابة وتقدم الصفوف، وأخذ المبادرة».
وأضاف: «نستفقده، نستذكره في هذه الأيام، نحتاجه، نعم كثيرا نستفقده، كثيرا نستذكره، وأكثر نحتاجه، نحتاج إلى مروؤته، نحتاج إلى شجاعته، إلى صراحته، إلى كلماته الرصينة، إلى مبادراته الطيبة الكريمة، لم يكن سياسيا، ولكن كان في قلب السياسة، يجمع ويوفق، يوحد ولا يفرق، ويجهد ويعاند في إصلاح البين بين إخوانه، لا يطيق افتراقا بين الإخوة، ولا بين مواطنيه، ولا بين اللبنانيين، ولا يسكت ولا يصبر عليه، فهو وحدوي وتوفيقي في قلبه وضميره وعقله، وأسلوبه ومنهجه وسلوكه، يحمل في عقله وقلبه قيم الحق والمساواة والعدالة والرحمة، ويتحلى بمزايا الخلق والإيمان، والكرم والعطاء، والصدق والوفاء والأمانة، وينادي بالمبادئ الوطنية الجامعة، ومفاهيم العروبة الصافية، لا تتغير عنده هذه المبادئ والقيم والمفاهيم، لا بتغير الزمان ولا المكان، ولا الأحوال ولا موازين القوى، ولا تتأرجح صعودا أو هبوطا، تقدما أو تراجعا، لأنها قيم ذاتية وأصيلة وثابتة، ليست عارضة ولا مكتسبة ولا طارئة، إنها شفافة متأصلة، نبعت من التراث، وتأصلت في المحيط، وتعززت بالتربية، فكانت ثقافة حياة، ومنهج سلوك، وغاية في ذاتها».
وأردف: «هكذا، نرى أنفسنا بين أهلنا، وفي مجتمعنا، وفي وطننا، وفي محيطنا العربي، وفي العالم، نحن وحدويون وأخلاقيون ومؤمنون، وإنسانيون وصادقون، وأهل سماحة وعدالة، وانفتاح ورحمة، نؤمن بوطننا وعروبتنا، ونحرص في لبنان على عيشنا المشترك، ونخلص لبلدنا، ونحب لغيرنا ما نحب لأنفسنا، ولا نعمل إلا لما يعزز ويغني وحدتنا والعيش المشترك، نعمل للحق ومن أجل الحق، ولا نقول إلا الحق، ولا نريد لأنفسنا ما لا نريد لغيرنا، ونسعى لبناء الدولة، دولة الحق والقانون، دولة المساواة والعدالة والاعتدال، دولة حرة مستقلة سيدة، يتساوى فيها الجميع، لا امتيازات فيها لأحد على آخر، ولا استقواء ولا غلبة، ولا تفضيل ولا أرجحية».
ومضى المفتي دريان قائلاً: «نستفقدك ونستذكرك، نستذكر الرجل المقدام الحر الجريء الغيور، ونستذكر فيك معاني الرحمة والإنسانية، التي تجلت في حدبك على الفقير والمسكين، وفي رعايتك المظلوم والمحتاج. ملأت ساحات رمضان بالرحمة والعطاء، فكنت من الأبرار الذين صح فيهم قول الله تعالى إن شاء الله: بسم الله الرحمن الرحيم
(إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا * يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا * ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا)، صدق الله العظيم
وختم: «سلام عليكم يا أخانا، عبد الغني سلام، كنت من أهل السلام، وعشت في سلام، وحملت ورفعت اسم سلام، وناضلت من أجل السلام، وأنت ترقد الآن في سلام، فنعم ما تنعم به من سلام. أحييكم تحية سلام، تحية الإسلام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
الشيخ حسن
ثم كانت كلمة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن حيث قال: «الصحافي الإنسان الأستاذ عبد الغني سلام، عرفته من جريدة «اللواء» الغرّاء، ومن أسرتها الكريمة، هو من دوحة عربية متأصلة، ووطنية متجذّرة، وبيروتية كان لها اليد والهمة في تحديد ملامح المدينة، المدينة كما العمران برجالها وليس بأبنيتها وسيرة المكرم اليوم من هذا القول القديم حقيقة واقعية».
وشدّد على أنّه «ليس بالأمر العارض أنْ ينجذب فقيدنا، وكان في الواحدة والعشرين، إلى عالم الصحافة. دخل إليها من باب عريض إذ نال بدعم والده امتياز إصدار «اللواء» كمجلة أسبوعية. وهذا خيار له دلالة على نزوع مبكر في النفس إلى مواجهة الحياة العامة، وعيا لسياق الأمور، ومشاركة بالاطلاع والرأي والموقف على قاعدة الثبات في أصالة تراث عريق في إدراك مفاهيم القضايا الوطنية والسياسية والاجتماعية».
وتابع: «من أوائل الستينيات في القرن الماضي، إلى حين توفاه الله، أي ما يناهز نصف قرن من الزمان، بقي الرجل راسخا في ثوابته، مخلصا لوطنه، مؤمنا بعروبته، وساعيا في الخير لخدمة الإنسان في حقل أعمال البـر والفضل كما هو معروف مشهور خصوصا في دأبه الرمضاني في إقامة «موائد الرحمن» ممتثلا قوله تعالى (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا* إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) (الانسان 8-9)».
وأضاف: «بالقلب الطيب عينه، خاض عباب السياسة بين السياسيين بالمثل التي عاش من أجلها يريد بها المصلحة الوطنية العليا التي شهد له لبنان بها حين منح وسام الأرز الوطني باستحقاق. هذه «اللبنانية» لديه، كانت سعيا حثيثا مضنيا، في قلب العواصف المحلية والعربية، ليستدرك الأسوأ، وليدفع بملكة التفهم بين الأقطاب وصولا إلى ثمرتها، وبالتالي، إلى التعقل والتفاهم والحوار بعيدا عن التشنج والمنافرة والتصعيد. ولا يمكن لأحد أن يحيط بأثره في كواليس هذا الخضم المتشابك، فلم يكن هم «الإطفائي» كما سماه الرئيس عرفات، سوى إرساء المنطق السليم الذي به تكون الخطوة البناءة التي هي هدف السياسة الجديرة بإسمها».
ورأى أنّه «كان لـ»الأخلاق» عند السيد سلام شأن كبير. ولا غرو في ذلك نظرا إلى أصالة نشأته، فهو عمل يوما على وضع «ميثاق اخلاقي» برسم المسؤولين والشخصيات شعورا سباقا في ضميره لتفاقم وتيرة تراجع الممارسات المختلفة من منظور أخلاقي. وإن تكن المبادرة قد توقفت نتيجة قوة سيل الأحداث واندفاعها دون أن تصل إلى غايتها المنشودة، فإن الوديعة تبقى له في خزائن لا تبلى عند من لا يضيع لديه أجرا، تبقى «اللواء» شاهدة على تراثه في نهج الرصانة والأصالة والاعتدال والأخلاق والوطنية التي لم تفقد خميرتها الجوهرية من التراث الذي مكن لبنان من أن يكون وطن العيش معا».
وأكد أنّه «كم نحن بحاجة اليوم في بلدنا والظروف الدقيقة المحيطة به أن نستلهم القيم التي تذخر بها هذه السيرة. كم نحن بحاجة إلى أن نرى الأداء السياسي وفيا للقواعد الدستورية بما تمليه على الجميع من الإيمان بضرورة المحافظة على الآليات الديموقراطية التي تحميها روح الاحترام والالتزام بالقانون. ولا يسع لكلمة في هذا المقام ان تعدد مآثر رجل عاش في ملء القيمة المعنوية لما آمن به فكان شجاعا في مواقفه المخلصة في الشأن العام».
وأكمل «ما أحوجنا إلى إعلام وصحافة تبتعد عن الإثارة وتقترب أكثر فأكثر من الرسالة السامية في كشف الحقائق ونقل صوت الناس؛ ما أحوجنا إلى عزم وإرادة وطنية لتحقيق استقرار البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وترسيخ أمنها. في هذا الزمن الصعب، ليكون وطنا كما كان في أحلام الرجال الكبار في تاريخ لبنان من القائد الشهيد كمال جنبلاط الى الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيرهم، وفي الذكرى الأربعين لغياب الصحافي عبد الغني سلام، نتطلع معا الى مسيرة حق نريدها في الدولة ومؤسساتها والى ترسيخ أسس العيش المشترك، بل العيش الواحد، والحرص البالغ على حماية المصلحة العامة بمبادئ الحوار والاعتدال والتفاهم والاحترام في ظل دولة عادلة إصلاحية ثابتة بنظامها الديمقراطي ومؤسساتها الدستورية وجيشها القوي».
وأنهى: «نسأل الله عز وجل أن يلهمنا إلى كل خير، وأن يسدد خطانا في الصواب، وأن يثبت قلوبنا في أصالة القيم والفضائل وحميد الأخلاق، إنه هو الحليم الكريم، السميع المجيب».
المفتي قبلان
بدوره، قال المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان في كلمته:»لأن الحياة الأبدية أكبر من موت إنسان، كان لا بدّ أنْ نبدأ بعميد «اللواء» فقيدنا عبد الغني سلام من حيث بدأ، لننتهي إليه، وذلك لأنّه يوم أصرَّ على امتهان الصحافة، عرّفها بأنها «قضية شعب مظلوم، وأماني النّاس التي تريد من يعبّر عن وجعها وآلامها»، لأن الصحافة بتعريفه رسالة تبدأ بأنّة شعب، وصوت يورّخ لقضايا النّاس وأوجاعها، لذا مَنْ يتتبّع تاريخ عبد الغني سلام يجد صدق قضيته، وغنى اعتداله، فهو نصير الإنسان، بوجعه، ومرارة ألمه، ولذّة أمله، لأنّ الله حين تعرّض لمحل رسالته وعنوان أطروحته قال [خلقكُم مِّن نفسٍ واحدة]، ليجمع النّاس بأصل الحق وإطار القانون، والسياسات المدنية بخلقية (الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله انفعهم لعياله(«.
تابع: «وكما نقرأ عبد الغني سلام نصيراً لفلسطين القضية، وحجراً بين محاريب قدسها، نقرأه وجعاً على نزف العرب، وقلماً يتأوّه خراب الوطن، وصوتاً يحذّر من الخلافات العربية والنزاعات وتبعاتها، وهو الذي تمنّى ان يتوّحد العرب بالله والانسان لتربح شعوبهم عدالة الله بالانسان».
وأضاف: «لقد كان إطفائياً لأنّه يكره نار العداوة، كان معتدلاً لأنّ الاعتدال بنظره يجمع اليمين واليسار، وكان إنساناً لأنّه قرأ الله يقول [فطرة الله التي فطر النّاس عليها، وكان وطنياً لأنّ الوطن بنظره شراكة الإنسان للإنسان، والدين لحماية الأوطان، بهذا المعنى أرَّخ المرحوم عبد الغني سلام تاريخ إنسانه، ليؤكّد أنّ السياسة ليست بالضرورة لعبة نفاق، أو باب ارتزاق، أو صفقة مال، أو هرطقة طائفية تتنكّر لروح الإنسان وقضاياه. وهو مرادنا اليوم، لأنّ الوطن بأهله، والناس بالناس، وليس بالقرآن والإنجيل أنْ يختلف المسلم مع المسيحي، أو الشيعي مع السنّي، بل أنْ يعيشوا إلفة هذا العالم وروح الأخوة، ومنطق أنهم جميعاً خلق الله، وأن أشرف النّاس عند الله من يحفظ خلقه وعياله، وهذا يعني إنقاذ الإنسان في هذا البلد، عبر مشروع وعي سياسي، وعدالة واجتماعية، وبرامج إنقاذية، وقانون انتخابي يكسر ظاهرة الاستبداد، ويمنع حكره القرار، ويؤكّد قوة نفوذ النّاس، لأن السلطة التي تعيش على الاستئثار والزعامة والحصص تصبح قبراً لطموح الشعب ومصالح الوطن».
وخلص إلى قول: «عليه، ومن على منبر المرحوم عبد الغني سلام، نؤكّد تمسّكنا بالدولة، ولكن على قاعدة «دولة شعب»، لا دولة نفوذ وطوائف ومال، ونصرّ على السلم الأهلي، والشراكة الوطنية، والمصير الواحد، وندين السياسات المالية العشوائية، والبرامج الاجتماعية الفاشلة، والترف المحمي بالصفقات الفاسدة، والإعلام الفوضوي، ونطالب بسياسة وعي، ورغيف، وأمن، ومقعد دراسي، ومستشفى، وتنشئة وطنية، وضمانات اخلاقية، ونظافة عقل وكفّ، بعيداً عن لعبة اليافطات، لأن ما قدّمه اللبناني لدولته أكثر بعشرات السنين مما قدّمته السلطات المتعاقبة خطا لناسها ومواطنيها. للمرحوم عبد الغني سلام أقول: قد يموت الإنسان في طريق قضيته التي عاشها، إلا أنّ زرع يديه سيظلّ دليل تفانيه بخدمة الله والوطن والإنسان».
المطران مطر
تلته كلمة رئيس أساقفة بيروت المطران بولس مطر الذي قال: «الكلام على عبد الغني سلام، الصحافي الكبير الذي رحل عن دنيانا، وقد أضاء فيها مصابيح رجاء لا تنطفئ، يحملنا في هذا الزمن الصعب، وطنيا وعربيا، على أنْ نستمد من عزمه عزما على الاستمرار في سلوك خط آمن به ومسار كتبت عليه خطى مشاها في سياقه ليمشها الناس أيضا على مثاله لعلهم يهتدون في ضوء حكمته سواء السبيل».
وسأل: «أفلم يطلق عليه الدكتور محمد خالد وهو بعد في العشرين من سنيه لقب «الحكيم»؟ أولم يقدم هو أيضا على شراء صحيفة وهو في السن عينها وقد لجأ إلى والده العائد من البرازيل لدعم مادي يمكنه من تحقيق هذا الحلم فيكون الصوت الصارخ في دنيا العرب والسند للعروبة البيضاء أيام كانت المصائر ترسم، وما زلنا نعبر في مثيلاتها حتى الزمن الراهن؟».
وأضاف: «لقد كانت الصحافة العربية مرتهنة بأكثريتها لحكام دولها وأنظمتها، وكانت بعض الصحف اللبنانية تخدم بعض الأنظمة على ساحة الوطن مستفيدة من حريته ولو على حساب الحقيقة. أما عبد الغني سلام فكان من القلائل الذين لا يدينون إلا لربهم ولا يذعنون إلا لصوت الحق والضمير، ولو كلفه الأمر زيارة السجون مرات تلو مرات. ولكم عشق الكلمة الإنجيلية وتغنى بها وهي القائلة: إنكم تعرفون الحق والحق يحرركم».
وشدّد على أنّ «قضيته الكبرى كانت العروبة وفي قلبها لبنان. وكم خطئ أولئك الذين ظنوا يوما، بضعف معرفة أو بغير معرفة أن العروبة ولبنان هما على طرفي نقيض. فهل يمكن للمسلمين أولا أن يتخلوا عن العروبة في منطقتنا وقد جاء القرآن عربيا بحسب القول الكريم؟ فالإسلام العربي يبقى مع الاحترام لعالميته ولانتشاره في كل أصقاع الأرض المثل والمثال بوجدانيته وبمطابقته الرائعة بين مبناه ومعناه. وهل يمكن أيضا للمسيحيين أن يرفضوا العروبة الحقة وهم الذين ساهموا في إغنائها على مر الزمن ثقافة وأدبا وشراكة مصير؟ أفلم تأت يقظة العرب على أيديهم أيضا وبالشراكة مع أخوانهم المسلمين، سواء أكان في أرض الكنانة أم في عاصمة العباسيين أم في بيروت عاصمة حوار الحضارات على مدى الدنيا بأسرها؟».
وأردف: «أن ترفع للعروبة ألويتها، فهذا حق. وأن تكون فلسطين في قلب اهتماماتها فهذا واجب ما قبله واجب. إلا أن العروبة أن يوضح محتواها وأن تكتشف كنوزها لتتحول إلى قوة جمع لا تضاهى، فإن هذا ما عمل عبد الغني سلام على تحقيقه في كتاباته، وفي كل مناسبة كان له فيها كلام فصل».
وأكد أنّ «المحتوى الأول للعروبة الفكرة والرمز هو محتوى وحدة أهلها ضمن تنوعهم ومحتوى تنوع أهلها ضمن وحدتهم. وكم يكون مفيدا لنا جميعا مسلمين ومسيحيين أن نضع نصب عيوننا تكوين الدولة الأولى للإسلام، تلك التي أقامها الرسول في المدينة. وقد شاء أن يكون بين أهلها «أهل الكتاب» جميعا ومن دون استثناء. وهو الذي جاهر عن المسيحيين بقوله فيهم: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، أفلا يجب أن يبقى هذا المنطلق على الدهر ملزما لأية دولة تقام، وبخاصة ضمن الإطار العربي نفسه؟ إن هذا المصير المشترك الذي نادى به عبد الغني سلام ليس إلا ثابتة من ثوابت الإسلام نفسه، وقاعدة يجب أن نؤيد بهدي من الآيات التي تثبتها، وبخاصة تلك التي تتوجه إلى الناس جميعا وليس إلى المسلمين وحدهم ومن دون الآخرين».
واعتبر أنّه «ما كان غريبا أمام هذه الثوابت أن تنبت الدوحة السلامية في بيروت، دوحة عبد الغني سلام، قامات كبيرة بشخص الرئيس صائب سلام أولا وهو القائل لنا جميعا مسلمين ومسيحيين: «لنا لبنان واحد لا لبنانان»، ومن بعده قامة كبيرة بشخص دولة الرئيس تمام سلام الذي حمل أثقال كل لبنان على مدى ثلاث سنوات من الحكم، وهو المكتفي دوما بأن يعطي لبنان كل شيء وأن لا يأخذ منه شيئا. فله محبتنا وكل عرفاننا».
واستدرك: «أما المحتوى الثاني لهذه العروبة الرمز واللواء، فهو محتوى الحرية والديمقراطية الحقة التي تسمع صوت الناس وتعلي كلمتهم، وإذا أجمعت الأمة لهم فهي لن تجمع على ضلال. إن للعرب، يقول عبد الغني سلام كل الحق بالحرية ولشعوبهم بأن تمسك هذه الحرية بأيد، ولا تضحي بها في سبيل أي شيء. فقضايا الحق لا يحملها ولا يدافع عنها إلا الأحرار، لأنهم يهبون جميعهم إلى التضحية من أجلها، وبهذه الشروط لا يكونون إلا منتصرين. هذه الحرية ليست حرية الدولة وحدها، بل هي أيضا وبخاصة حرية الفرد وحرية الفكر والضمير وحرية الرأي والعمل بما لا يتنافى والمصلحة العامة في شيء. أفلا نؤمن جميعنا وفيما يعود إلى الضمير بأنّ «لا إكراه في الدين»؟ أولم نقرأ أيضا القول المأثور بأنكم «تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟».
وختم المطران مطر: «هكذا ظهرت العروبة بكل محتوياتها الروحية والإنسانية وظهر لبنان مجسدا لهذا المحتوى في تاريخه كما في تطلعاته، ما جعله مقيما في قلب العروبة وما جعل منه المبتدأ في التعبير عن قيمها ومجالاتها، فيما وعود الأزمنة القادمة على العرب ستكون هي الخبر. ولكم لفت الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله إلى ضرورة عيش الوحدة العربية ولو انطلاقا من فتح الحدود بين كل العرب ورفض إغلاقها وإقامة السدود بين شعوبها. فألف تحية لذكراه، والشكر لعبد الغني سلام الذي كان أول من أطلق فكرة أن يرقد الشهيد إلى جانب هذا المسجد، في قلب بيروت وفي قلب لبنان وفي قلب العرب. وألف دعاء لدولة الرئيس سعد الحريري، حامل لواء الاعتدال بين العرب ومن أجلهم جميعا، بكل أمانة وبكل صدق وبكل شجاعة. ودعاؤنا الأخير هو أن يهدينا الله جميعا إلى ما فيه خير بلدنا وخير العرب، فنسير في ضوء قيمنا الروحية والوطنية والإنسانية نحو وطن معافى وعروبة بيضاء تعطي العالم ما عندها من سمو وتجزل العطاء. والسلام عليكم».
الوزير قباني
كلمة أصدقاء الفقيد ألقاها الوزير السابق الدكتور خالد قباني، وقال فيها: «قد لا يكفي الكتاب وما كُتِبَ عن عبد الغني سلام، فكيف بالكلمات، في تكريم مَنْ كانت حياته وسيرته ومسيرته، سجلاً حافلاً بالنضالات والمواجهات والتحديات، اضف إليها المكرمات».
وتابع: «هو، مَنْ عاصر التاريخ، تاريخ لبنان الحديث، هو تاريخ بلد كان دائماً محط الاهتمام وقبلة الأنظار ومطمح الطامحين وطمع الطامعين. إنّه تاريخ لبنان الاستقلال الذي خرج من خضم انقسامات وصراعات داخلية، ونزاعات إقليمية ودولية، ليبدأ مسيرة بناء دولة مستقلة، موحّدة، عزيزة، سيّدة، على أساس من الوفاق والمشاركة، وعلى قواعد المساواة واحترام القانون، وعلى قيم العدالة والأخوة والعيش المشترك».
وأضاف: «كان عبد الغني سلام جزءاً من هذا التاريخ، مشاركاً وقيادياً، وكانت صحيفة «اللواء» لواءه المرفوع، كالنجم الساطع، المتطلّع إلى الحرية والديمقراطية، تحمل أفكاره وخزائن ما يملأ قلبه وعقله من العلم والمعرفة، والوطنية والحماس، والاندفاع نحو بناء مرتكزات دولة تجمع بين اللبنانيين من كل الطوائف ومكوّنات الوطن، ويحدوها أمل بأن تكون مثالاً يُحتذى في مشرقنا العربي للديمقراطية والحرية والانفتاح والاعتدال، والحياة الكريمة. وفلسطين، فلسطين كانت همه الأكبر وشاغلة حياته النضالية».
واستدرك: «عزيزاً كان، نعم، صلباً في مواقفه، صاحب مبادئ وقيم سامية، عنيداً في قناعاته، نعم، متعصّباً لعروبة صافية، لكنه محاور مرن، يتقن فن الحوار، والأخذ والعطاء، دمث، مهذب، خلوق، يحترم حرية الرأي والفكر، وحق الإنسان في التعبير والتفكير وحقه في الحياة».
وأردف: «لم تتوقف مسيرته الطويلة عن النضال والعطاء، ولم تكن السياسة محور حياته واهتماماته الوحيدة، وإن نالت النصيب الأكبر، بحكم طبيعة لبنان وظروفه، بل إنّ إنسانيته وما يعتمر في قلبه من رحمة وإيمان، جعله رجل خير وعطاء وحب، أحسّ بالفقير، وناصر المظلوم، وشارك النّاس مآسيهم وهمومهم ومعاناتهم الحياتية، فكان إلى جانبهم وبقربهم، لا تعرف يمينه ما تعط شماله، وكانت مآدب الرحمن تمتد على أيام رمضان لإفطار الصائمين الجائعين غير القادرين على الحصول على وجبة إفطار تسند جوعهم أو قطرة ماء تروي ظمأهم».
وشدّد على «إنها مسيرة حياة زاخرة وعامرة بالخير والأعمال الطيبة، مسيرة رجل عاش الحياة بكل تلاوينها ومباهجها وشجونها، وخبر قيمة الحياة ومعناها ودور الإنسان فيها، وكان مؤمناً صادقاً ومدركاً أنّ الإنسان وُجِدَ لإعمارها وليس لهدمها، فكان عنصر بناء وسلام في محيطه ومجتمعه، ونواة خير، ورسول توافق ومصالحة، لعب دوراً بارزاً في التوفيق بين رجالات الدولة، وكان رفيقاً محباً ودوداً وموثوقاً من الجميع، وكان أكثر ما كان، مسموعاً ومؤثراً في اقواله وآرائه وأفعاله، ولبنانياً عربياً، ومناضلاً في سبيل العيش المشترك الإسلامي - المسيحي، جمعته علاقات وطيدة مع ملوك ورؤساء الدول العربية قاطبة، وكان لهم ناصحاً وأميناً».
وأكد أنّ «عبد الغني سلام نبتة خير مثمرة، كان شجرة زيتون متجذرة في الأرض، مضيئة، سراجاً وهاجاً وكوكباً منيراً، لا ينطفئ ولا يخبو شعاعه، هو كأديم الأرض، عطاؤه دائم وعبيره عابق، ولواؤه أبداً مرفوع، مواقف ونضالات، وكلمات حق، للوطن ومن أجل الوطن، للعروبة ومن أجل العروبة، للناس كل النّاس، كان ويبقى. كلماته تطرق أبوابنا عبر «اللواء»، كل صباح، تنبّه وتستصرخ وتذكر، علّ الذكرى تنفع المؤمنين، أن استفيقوا، أن استيقظوا، فالتحديات والمخاطر تحيط بكم من كل جانب، وبلدكم معرض للتبعثر والتفتت والانحلال، وأنتم عنه لاهون، لاهون بخلافاتكم ومطامعكم ومصالحكم».
وختم: «لو كنتَ بيننا اليوم، أيها المُكرّم، ما كنت لترضى بما يجري، في ساحاتنا الوطنية، من تكاذب ونفاق وتعديات، من فساد وضرب للقيم والمبادئ، واغتيال للدولة، وغياب للحرية والديمقراطية، لو كنت بيننا اليوم، ما كنت لتسكت عن حالة التشرذم والانقسام والضياع التي تسود مجتمعنا، وما كنت لتسكت قطعاً عن غياب المشاركة والمساءلة وتداول السلطة... عبد الغني سلام، لواؤه صرّح تاريخي من صروح الإعلام والحرية والديمقراطية، بني على الحق وكلمة الحق، ارتقت «اللواء» بنجاحاتها إلى مستوى المؤسسة الراقية، نصف قرن من الزمن أو يزيد، في صعود مستمر، شعارها الإيمان والانفتاح والاعتدال، رمزاً أصبحت، كما عبد الغني سلام ورفيق عمره في النضال والبناء والنجاح، صلاح سلام، للأصالة الوطنية والعروبة الحضارية والاعتدال والسلام والإصلاح والصلاح.. فطوبى، طوبى لمَنْ كان لواؤه سلام، طوبى لما كان لواؤه صلاح».
سلام
وكلمة الختام كانت للعائلة وأسرة «اللواء» ألقاها رئيس تحريرها الأستاذ صلاح سلام فقال: «ماذا بقي عليّ أنْ أقولَ عن عميدِنا الكبير بعد الكلماتِ الكبيرة من أصحابِ القاماتِ الكبيرة.. ماذا أقولُ عن رفيق الدرب والتعب والمعاناةِ الذي اختصر بشخصه وبسلوكه المهنَيّ الطويلِ مجموعةً من القيم المهنية والمبادئِ الأخلاقية، في زمنٍ تكاد تَندثرُ فيه المبادئُ والقيم».
واسترسل: «بل ماذا أقولُ عن الصحافي الذي كان لا يترددُ بحجب المعلومةِ عن صحيفته حرصاً على أمانة، أو سعياً لإنجاحِ مصالحةٍ أو لقاء.. وماذا أقولُ عن الشاب الذي خاضَ نضالَ سنواتِ الخمسيناتِ والستينات وكأنه يحمل قضايا الأمةِ كلِّها على ظهرِه: من ثورةِ المليونِ شهيد في الجزائر غرباً إلى جبهة تحريرِ عدنٍ واليمنِ الجنوبي شرقاً، من ثورة عبد الناصر في مصر أوائل الخمسينات، إلى انطلاقةِ العمل الفدائيِّ الفلسطينيِ بقيادة فتح وأبو عمار أواسط الستينات».
وتابع: «كان يعتبرُ الوحدةَ الإسلاميةَ مدماكاً أساسياً في بنيانِ الوحدةِ الوطنية، وكان يؤمنُ بأن صيغةَ العيشِ المشتركِ بين اللبنانيين هي قدرٌ لن يقوى أحدٌ على تغييره، طالما حافظنا على قواعدِ التوازنِ في المعادلة الوطنية».
وأضاف: «بيروتُ كانت عشيقته الدائمة، لأنها تجسّدُ كلَّ أبعادِ التجربة اللبنانية، في أجواءٍ من التسامحِ والحريةِ والتفاعل بين مختلف مكوناتها التي تختصرُ النسيجَ اللبناني بكل أطيافه وألوانه.. عشقُه لبيروت لم يشغلْه عن شغفه بطرابلسَ وصيدا، ولم يبعدْه عن الإهتمام بزحلةَ وبعلبكَ وصورَ وجبيلَ، وبكلِ زاويةٍ تنتمي إلى تاريخِ الوطَن».
وأردف: «كانت أعمال الخيرِ مزروعة في وجدانه، وكانت السعادةُ تغمر قلبَه عندما يُساعدُ طالباً على إكمال دراسته أو مساندة مريض لاستكمال علاجه، أو إعطاء سائل يحتاجُ لتأمين أبسط حاجياته».
وأضاف: «لذلك، وإلتزاماً بنهجه في الأعمال الخيرية والإجتماعية قرّرت العائلة تخصيصَ خمسِ منحٍ دراسية تخليداً لذكرى الفقيد الكبير، كما تقرّر الحفاظ على موائد الرحمن في شهر رمضان المبارك زكاة لروحه الطاهرة».
وختم: «لن أسترسلَ أكثر... لكن لا بدّ أن أقول لرفيقِ العمر، وعميد المسيرة الشاقة: إننا على صراطِ الإعتدالِ والإنفتاحِ باقون، وإننا بالمبادئ الأخلاقية والقيم الوطنية والمهنية متمسكون، وإننا في الحفاظ على الشراكةِ الوطنيةِ وتوازناتِها ملتزمون، أصحابَ الفخامةِ والدولة، أصحابَ السماحة والسيادة، أيها الحضور الكريم، إنّ مشاركتَكم لنا في هذه الذكرى العزيزةِ على قلوبنا، هي تحيةً كبيرةً لنهج «اللواء» ومسيرة عميدها، وموضوعُ فخرٍ وإعتزازٍ لكل فردٍ في العائلةِ وفي أسرةِ «اللواء». شكراً لكم، ورحمَ اللهُ فقيدَنا الكبير».






