من رحم الركام تولد أحياناً المعجزات، ومن بين رماد الحروب قد تقوم الدول من جديد. هكذا فعلت دمشق، التي كانت بالأمس القريب في عزلةٍ خانقة، فإذا بها اليوم تعود إلى المسرح الدولي بثوبٍ جديد، ورؤيةٍ مختلفة، وإرادةٍ صلبة كسرت القيود والعقوبات.
الزيارة التاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن ليست مجرّد حدثٍ دبلوماسي، بل إعلاناً عن ولادة سوريا جديدة، دخلت فضاء التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وخرجت من قائمة الدول المنبوذة والمارقة والراعية للإرهاب إلى رحاب الشراكة الدولية. وها هو الكونغرس الأميركي يطيح بـ«قانون قيصر»، فيما الخارجية الأميركية تعلّق العقوبات، لتُفتح أمام دمشق أبواب الدعم والمساعدات والاستثمارات، بعد سنوات عجاف من العزلة والحصار.
وفيما تنهض دمشق من بين أنقاضها، يبدو لبنان غارقاً في غفوته الثقيلة، يتخبّط في انقساماته الداخلية، ويهدر ما تبقّى من طاقاته وقدراته على الرؤية والمبادرة. فالدولة التي كانت يوماً منارة الشرق، وملجأ الفكر والحريّة والديموقراطية، وواحة للإستقرار والإزدهار، تحوّلت إلى ساحة تصفية حسابات وصراعاتٍ محلية وإقليمية تحجب عنها ضوء المستقبل. وبينما اختارت سوريا الواقعية والعقلانية طريقاً للعودة إلى العالم، ما زال لبنان أسير العناد السياسي والإنكار والمصالح الضيّقة التي تجرّه إلى مزيد من العزلة والضياع.
إن المفارقة بين التجربتين لا يمكن أن تمرّ من دون تأملٍ عميق: سوريا الخارجة من حربٍ مدمّرة استطاعت أن تتصالح مع نفسها والعالم، فيما لبنان الذي إنتهت حربه منذ ثلاثين سنة، يخوض حرباً خفيّة ضد ذاته. سوريا توحّدت حول قرارها الوطني، ووطن الأرز ما زال يفرّط بقراره بين الأجنحة والمحاور. لقد دقّت دمشق ناقوس التحوّل الإقليمي الكبير، فهل يسمعه لبنان؟
إن نهضة سوريا ليست تحدّياً للبنان، بقدر ما هي جرس إنذارٍ له. فالتاريخ لا ينتظر المتردّدين، والخرائط تُرسم اليوم بمداد القرارت والإرادة، لا بكلام الشعارات والعواطف، وكفى لبنان ما أضاعه من فرص ومناسبات. وحين تقوم دمشق من بين ركامها، لا يحق لبيروت أن تغفو فوق رمادها. فالوطن الذي لا ينهض في زمن الفرص، سيُمحى في زمن الحساب.