5 حزيران 2026 12:00ص المقاصد وبيروت.. ثنائية الوعي والهوية (4)

من القلم إلى المشرط.. المقاصد تداوي جراح المدينة وتصنع «الأمن الصحي»

حجم الخط
مقدّمة: عندما يصبح العلم رحمة

إذا كانت الأجزاء السابقة قد أرّخت لمسيرة المقاصد في معارك «محو الأمية» وبناء العقل البيروتي، فإن هذه السلسلة لا تكتمل دون التوقف عند المحطة الأكثر إنسانية في تاريخ الجمعية: محطة الرعاية الصحية. لم تكتفِ المقاصد بتغذية العقول بالمعرفة، بل أدركت منذ بواكير القرن العشرين أن «الجسد السليم» هو الحصن الذي يحمي العقل، وأن كرامة الإنسان البيروتي لا تكتمل إلّا بتوفير حق الطبابة بعيداً عن ذلّ الحاجة.
في هذا الجزء الرابع، نسرد حكاية تحوّل المقاصد من «جمعية تربوية» إلى «قلعة طبية». رحلة انطلقت من فكرة جنينية أجهضتها السياسة، وتعمّدت بـ «المدرسة الطبية الملكية» عام 1915، وصولاً إلى صرح جامعي يخدم سنوياً ما يزيد على 15 ألف مريض داخلي ونحو 50 ألف زيارة للعيادات الخارجية، مُثبتاً أن الرسالة المقاصدية لا تتوقف عند حدود الفصل الدراسي.

• البذرة الأولى والمنعطف العثماني (1906 - 1915)

- النواة الجنينية والمشروع المجهض 1906:
قبل التدشين الفعلي للمستشفى الحالي بثلاثة عقود، تعود الفكرة التأسيسية الأولى للمستشفى الخيري الإسلامي في بيروت إلى أواخر العهد العثماني. ففي أيلول عام 1906، وبحضور والي بيروت خليل باشا ونقيب الأشراف الشيخ عبد الرحمن الحوت، وبتنسيق غير مباشر مع أعيان «جمعية المقاصد» (التي كانت السلطات العثمانية قد عطلت هيئتها الإدارية المستقلة حينها وضمتها لوزارة المعارف)، جرى وضع حجر الأساس لـ «مستشفى خيري» بجوار «مكتب الصنائع والتجارة الحميدي» (منطقة الصنائع اليوم).
غير أن تحوّلات الحرب العالمية الأولى وسقوط الولاية العثمانية تسببا في إجهاض استكمال هذا المشروع كمستشفى مخصص للمقاصد، وصودرت منشآته وأراضيه لاحقاً لصالح مقار رسمية وطبية تابعة لدولة الانتداب (وزارة الصحة والداخلية اللبنانية لاحقاً). لكن الفكرة ظلت حية في الوجدان البيروتي كأولوية ملحة.
- بيروت في زمن الجحيم الكبير (1915):
لكي نستوعب جرأة قرار المقاصد اللاحق، ينبغي أن نستحضر المشهد البيروتي عام 1915؛ حيث حوّلت الحرب العالمية الأولى بلاد الشام إلى مسرح للكوارث.
وفي خضم هذا الجحيم، أقفلت مؤسسات البعثات الأجنبية أبوابها ورحل أطباؤها الغربيون، فوجدت بيروت نفسها أمام فراغ طبي مهول، وتفشّت الأوبئة في ظل غياب الرعاية.
- المدرسة الطبية الملكية: المقاصد تملأ الفراغ:
في هذا المناخ القاتم تحديداً، اتخذت المقاصد في عام 1915 قراراً استراتيجياً جريئاً: إطلاق «المدرسة الطبية الملكية»، متخذةً من مبنى مدرسة الجزويت الطبية الفرنسية المغلقة بسبب الحرب مقراً لها. لم يكن الهدف مجرد تخريج أطباء، بل كسر احتكار التعليم الطبي وتوفير كوادر وطنية. وقد أسهم في تأسيسها أطباء بيروتيون متخرجون من الكلية السورية الإنجيلية والجامعة اليسوعية، في مشهد يجسّد قدرة المقاصد على توظيف الطاقات البيروتية.

• ميلاد المستشفى (1925 - 1930)

- المحطة العقارية وعهد الداعوق:
مع استعادة الجمعية لزخمها الإداري واستقلاليتها في عشرينيات القرن الماضي، تصدّر مشروع «الرعاية الصحية الذاتية» أولويات القيادة المقاصدية الجديدة برئاسة عمر بك الداعوق. ففي اذار 1925، صدر قرار المفوض السامي الفرنسي (رقم 3010) بتثبيت وتمليك بعض العقارات والأوقاف الإسلامية التابعة للجمعية. واستغلت إدارة عمر الداعوق هذا المناخ لتخصيص قطعة أرض مقدرة بأكثر من خمسة آلاف متر مربع في محلة الطريق الجديدة لإنشاء المستشفى.
- الاكتتاب الشعبي وبناء الصرح (1930):
لم تعتمد الجمعية على الهبات الخارجية، بل قادت حملة تبرعات واكتتابات واسعة شاركت فيها العائلات البيروتية، من كبار التجار في الأسواق القديمة إلى الحرفيين. وفي عام 1930، افتُتح المبنى المتواضع المكون من طابقين ليحمل اسم «المستشفى الإسلامي»، واضعاً لبنة في بيت بيروت الصحي المشترك بقوة بشرية بلغت 13 طبيباً و10 ممرضات، لتوفير طبابة مجانية أو شبه مجانية لفقراء الأحياء الناشئة.
- محطة التحديث الهندسي عام 1949:
خلال الحرب العالمية الثانية، أسهم المستشفى في المجهود الدفاعي الوطني كمركز طبي مؤقت لوزارة الدفاع. وعقب الاستقلال والطفرة الديمغرافية الكبرى، ضاقت القدرة الاستيعابية للمبنى؛ فأقدمت الهيئة الإدارية عام 1949 على ورشة تطويرية جذرية أزيلت فيها البنية القديمة، ورُفع الهيكل الخرساني للمستشفى إلى خمسة طوابق متكاملة، وجرى استيراد أحدث معدات الأشعة والتعقيم من فرنسا وبريطانيا. وفي عام 1958، تمت مأسسة المنظومة قانونياً بالكامل تحت اسم «مستشفى المقاصد العام»، مع تشكيل مجلس أمناء طبي مستقل إدارياً ويتبع مالياً واستراتيجياً للجمعية الأم.

• الحرب تصنع الصرح: قلعة الصمود والإغاثة (1975 - 1990)

- المستشفى الميداني الأول للعاصمة:
بين عامَي 1975 و1990، وعلى الرغم من نيران الحرب الأهلية، واصل مستشفى المقاصد رسالته الإنسانية بصلابة نادرة، متحوّلاً من مستشفى محلي إلى مؤسسة إغاثية وطنية وقومية. واضطر المستشفى لرفع طاقته الاستيعابية قسراً إلى 230 سريراً، وتحولت الممرات والأقبية إلى غرف عمليات طارئة، بينما تحولت مدارس الجمعية إلى مراكز إيواء للنازحين وتوزيع المساعدات، مؤدية دور «الدولة البديلة».
- ملحمة حصار بيروت 1982:
خلال الاجتياح الإسرائيلي وحصار بيروت الذي دام قرابة ثلاثة أشهر، تعرض محيط المستشفى وطبقاته العليا لقصف مدفعي وجوي متكرر. ومع انقطاع المياه والكهرباء والوقود، استنبطت الإدارة والأطباء حلولاً استثنائية لتشغيل غرف العمليات على المولدات الصغيرة، واستقبل المستشفى آلاف الجرحى من المدنيين والمقاتلين، مكرّساً مقولته التاريخية كـ «ملجأ آمن لمن لا ملجأ له»، واليد التي تلملم جراح المدينة.
- الحرب تُعيد البناء:
كان يمكن للحرب أن تُفضي إلى انهيار المستشفى، بدلاً من ذلك، جاءت لتحوّله إلى مستشفى تعليمي كبير متكامل الخدمات؛ فالضغط الهائل للحالات الجراحية المعقدة، والحاجة اليومية لتدريب أطباء جدد في ظروف ميدانية قسرية، جعلا من المستشفى مختبراً طبياً استثنائياً حوّل أطبائه إلى كفاءات متمرسة.

• محطات التميّز الطبي ومأسسة التعليم والريادة العلمية

- مأسسة التعليم والاعتراف الأكاديمي (1981 - 1986):
بالتوازي مع الدور الإغاثي، سعى رجالات المقاصد إلى تحويل المستشفى إلى منارة أكاديمية وعلمية:
عام 1981: نال المستشفى اعترافاً رسمياً من المجلس العربي للاختصاصات الصحية (البورد العربي) كمركز معتمد لتدريب الأطباء المقيمين ومنح شهادات الاختصاص.
عام 1984 - 1986: أطلق المستشفى برنامجه التدريبي لإقامة الطب الباطني بالشراكة والتوأمة التاريخية مع الجامعة الأميركية في بيروت (AUB). وتوّج هذا المسار بتوقيع رئيس الحكومة اللبنانية رشيد كرامي المرسوم التاريخي رقم 3485 لعام 1986 لتأسيس «جامعة المقاصد»، ليصبح المستشفى هو النواة والذراع التطبيقي لكلية الطب بالتعاون الوثيق مع جامعة بيروت العربية.
- مركز الأورام وزراعة نخاع العظم 1996: قفزة إلى المستقبل:
في مرحلة ما بعد الحرب، وتحديداً في تشرين الثاني 1996، أحدث المستشفى قفزة نوعية بتأسيس وحدة متطورة جداً لعلاج أمراض الدم والأورام، وتدشين برنامج زراعة نخاع العظم بالتعاون المباشر مع معهد «غوستاف روسي» بجامعة باريس (أكبر مراكز الأورام في أوروبا).وفي آذار 1997، أجرى المستشفى أولى عمليات زراعة نخاع العظم الناجحة ذاتياً في لبنان. ومنذ ذلك الحين، سجّل القسم إجراء أكثر من 600 عملية زراعة ناجحة للبالغين، ونحو 70 عملية للأطفال، محققاً ريادة طبية مطلقة لهذه المنشأة البيروتية على مستوى الشرق الأوسط بنسب نجاح ضاهت المراكز العالمية.
- وحدة البحوث الطبية عام 2000:
تأسّست وحدة البحوث الطبية في المستشفى عام 2000، لتعلن أن المقاصد باتت مؤسسة تنتج المعرفة الطبية ولا تتلقّاها فحسب. ونشرت هذه الوحدة مئتين وخمساً وثلاثين دراسة علمية محكّمة في مجلات دولية، وارتبط المستشفى بتعاون أكاديمي مع جامعة ليل الفرنسية في تخصصات القلب والرئة والجهاز الهضمي، مما أكسبه مكانة المستشفى الجامعي الإقليمي.

• أرقام المستشفى اليوم وتمريض المقاصد

1. شاهدٌ على مسيرة قرن:
يضم مستشفى المقاصد العام اليوم 230 سريراً، ويعمل فيه أكثر من 250 طبيباً و685 موظفاً إدارياً ويضم أقساماً تخصصية شاملة تغطي: الطب الباطني بفروعه، وجراحة القلب المفتوح، وأمراض الأطفال والأورام، ومركز غسيل الكلى الذي يخدم 160 مريضاً شهرياً بواقع 1500 علاج، والنسائية والتوليد، والجراحة العامة بثلاثة برامج تدريبية جامعية معتمدة في تسعة تخصصات على الأقل من المجلس العربي للتخصصات الصحية.
2. صناعة الملاك الأبيض برسالة مقاصدية:
لا يمكن الحديث عن المستشفى دون الوقوف عند كلية العلوم الصحية التي نشأت من رحم مدرسة التمريض المقاصدية. لقد غيّرت المقاصد نظرة المجتمع لمهنة التمريض محوّلةً إياها إلى «علم وفن وقيمة إنسانية»، وأسهم القسم في إطلاق برامج تمريض متخصصة في زراعة نخاع العظم. آلاف الخرّيجين يشغلون اليوم مواقع مرموقة في مستشفيات لبنان والعالم، حاملين معهم «الروح المقاصدية» القائمة على احترام كرامة الإنسان والوقوف إلى جانب الضعيف.

• المقاصد والمستقبل: التحديث الرقمي بروح القيم

تسعى المقاصد في رؤيتها المستقبلية إلى تحويل مستشفاها إلى مركز إحالة إقليمي للخدمات المتخصصة؛ وتنصبّ الجهود على توسيع الشراكات الدولية، وتطوير التخصصات الفرعية المعمّقة، متمسّكاً بذات المبدأ المؤسِّس: «الفقير له حق في أفضل علاج».

*****
يتبع في الجزء الخامس: حقبة التجميد العثماني والدمج البلدي.. حراس الأوقاف وممهدات الانبعاث الثاني