بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 أيلول 2025 12:00ص اقتصاد خارج الدولة: لبنان بين جغرافيا المخدرات وإمكانات التنمية

حجم الخط
د. هنا وليد عرابي

شهدت السنوات الأخيرة تحوّلات جذرية في سوق المخدرات الإقليمي والدولي، حيث برزت سلاسل جديدة للإنتاج والتهريب واستُغلّت مناطق هشّة سياسياً واقتصادياً كمراكز إنتاج وتصدير. لبنان، بجغرافيته المتوسطية وحدوده الممتدة مع سوريا وفوضى مؤسساتية مستمرة منذ 2019، تحوّل إلى عقدة لوجستية وإنتاجية.
موقع لبنان على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وموانئه (بيروت، طرابلس) ووجوده كمنطقة عبور بين شبه الجزيرة العربية وأوروبا جعلت منه محطة مفضّلة لشبكات التهريب البحري والجوي والبرّي. إلى جانب ذلك، تشكّل سلاسل جبلية ووادي البقاع مناطق ريفية شبه معزولة تُستخدم أحياناً كمواقع إنتاج وتخزين. في ظل انهيار الاقتصاد الرسمي وتراجع قدرات الدولة في الضبط والوظائف الرقابية منذ 2019، استثمرت شبكات مختلفة - من حرفيّة إلى منظمات مرتبة - هذا الفراغ لدعم أنشطة الاقتصاد الأسود المربحة.

بيانات الضبطيات والأرقام (حتى تاريخه)

في الأشهر الأخيرة سجلت الأجهزة الأمنية اللبنانية وبعض شركائها الإقليميين سلسلة ضبطيات نوعية وكبيرة تؤكد امتداد التجّار ومساحات الإنتاج خارج سيطرة الدولة المركزية:
في 2 سبتمبر 2025 أعلن وزير الداخلية عن ضبط شحنة كوكايين وزنها 125 كيلوغراماً وصلت إلى ميناء طرابلس مُخبأة داخل براميل ومنشأها البرازيل، في عملية قالت السلطات إنها تمّت بتنسيق استخباراتي مع المملكة العربية السعودية.
في 18 سبتمبر 2025 أعلنت القوات المسلحة اللبنانية عن ضبط ما وصفته بواحدة من أكبر عمليّات حجز الحبوب الأمفيتامينية (كبتاغون) داخل محافظة البقاع، إذ صرّح مصدر عسكري بأن كمية تقارب 64 مليون حبة قد ضُبِطت في موقع تصنيع تابع لشبكات محلية وإقليمية. هذه الضبطية تُعدّ مؤشراً على اتّساع وتموضع قدرات إنتاجية محلية.
على المستوى الدولي والإقليمي، يؤكّد تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (World Drug Report 2025) أن شبكات تجارة المخدرات تتكيّف بسرعة مع الضغوط، مستبدلة مسارات ومصادر إمداد وتوسيع أسواق جديدة، مع استغلال أزمات منظومات الدولة والحدود الضعيفة. التقرير يبرز تغيّرات في أساليب التهريب وزيادة في إنتاج وتصدير الأمفيتامينات من مناطق الشرق الأوسط إلى أسواق الخليج وأوروبا.
تُظهِر هذه الأرقام والوقائع أنّ بيانَين أساسيّين صحيحان: أولاً، امتداد القدرة الإنتاجية داخل لبنان ذاته (ولا يقتصر على عبور الشحنات فقط)، وثانياً، تشابك الشبكات اللبنانية مع خطوط إمداد دولية من أميركا الجنوبية إلى الخليج، ما يجعل التقاطعات الجغرافية والاقتصادية ذات طابع عابر للحدود.

كيف يحمي «الاقتصاد خارج الدولة» تجارة بلا حدود؟

• الاستفادة من الفراغ المؤسسي: التراجع في قدرة الجهات الرقابية (الجمارك، عناصر تطبيق القانون، القضاء) يخلق «مساحات رمادية» تسمح بتكوين بنى لوجستية غير مرئية، تبدأ من تخزين المواد الأولية وانتهاءً بتصدير المنتج النهائي.
• شبكات وسيطة متعددة الجنسيات: تجار وسماسرة محليون يتعاونون مع مُزوِّدين أجانب (مواد خام أو طرق شحن) ومع عملاء في الخليج وأوروبا، ما يبدّل منطق المعاملة «محلي/إقليمي» إلى «عالمي».
• تطويع البنية اللوجستية القانونية: يستعمل المهرِّبون حاويات مشروعة، سجلات شحن مزورة، ووسائل إخفاء متطورة (براميل، حاويات مموّهة) لتخطّي التفتيش. ضبطية طرابلس المعلنة كشفت عن استخدام براميل زيت لإخفاء 125 كغ من الكوكايين.
• التحالفات المحلية: في بعض المناطق الريفية تتشكّل شبكات حماية «محلية» تمنح مصداقية وغطاء عمليّ للشبكات الإجرامية (حماية طرق، معلومات إنذار مسبق، تأمين مواقع التصنيع).
هذه الآليات تُظهِر أن اقتصاد الظل ليس «مجموعة صفقات» فقط، بل بنيانٌ اقتصادي وسياسي يستثمر نقاط ضعف الدولة ويعكس قدرة عابرة للحدود على التكيّف.

أثر نشاطات المخدرات على التنمية والاقتصاد الوطني

تُولّد تجارة المخدرات إيرادات هائلة تُستخدم في تمويل فِاعلين أمنيين غير رسميين، شراء نفوذ سياسي، أو إعادة استثمار في أصول شرعية، ما يؤدي إلى:
تشويه قواعد الاقتصاد: دخول سيولة غير مشروعة يقوّض الجباية ويشلّ المنافسة العادلة للسوق القانونية.
إضعاف الأمن الاجتماعي: انتشار الإدمان والتأثيرات الاجتماعية والصحية يزيدان من أعباء الخدمات الصحية، ويقللان من رأس المال البشري.
تأثيرات جيوسياسية وأمنية: اتساع التجارة يجعل دول الجوار تضغط سياسياً على لبنان، كما يعرّض الموانئ والمنافذ للاستهداف وتدقيق الشركاء الدوليين (كما ظهر في تنسيق استخباراتي لعمليات ضبطية حديثة).
على المستوى الكمّي، غياب لشفافية وصعوبة الوصول إلى بيانات موثوقة تجعل تقدير مساهمة هذه التجارة في الناتج غير دقيق، لكنّ مجموعات تقديرية وتقارير استقصائية تربط مليارات الدولارات سنوياً بسلاسل تهريب واسعة في المنطقة، ما يعني تأثيراً ملموساً على الاقتصاد الرسمي والسياسة العامة.

استجابة السياسات: بين الضبط الأمني والتنمية الاقتصادية

الردّ على هذه الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على مقاربة أمنية بحتة. الأمثلة الحديثة في 2025 تظهر فاعلية التنسيق الإقليمي والاستخباراتي في ضرب خطوط التوريد (تنسيق مع السعودية، تواصُل أمني مع العراق في ملف المصانع)، لكن هذا وحده لا يكفي. ينبغي الأخذ باستراتيجيات متكاملة:
• تعزيز القدرة المؤسسية والشفافية: تحديث أنظمة الجمارك والتفتيش الرقمي، تكامل قواعد البيانات بين الأجهزة الأمنية والجهات القضائية، وحماية سلاسل الشهود والمبلغين. تعزيز دور القضاء واستقلاليته عاملان حاسمان لردع الشبكات.
• تنمية بديلة في مناطق الإنتاج: برامج زراعية وصناعية بديلة للمزارعين في البقاع والمناطق الريفية، مع حوافز مالية وتقنية لإعادة دمج الجماعات المحلية في أنشطة مشروعة.
• التعاون الإقليمي والتبادل الاستخباراتي: استمرار آليات التنسيق مع دول المنشأ (أميركا الجنوبية)، دول العبور، ودول الوجهة مهم لوضع ضغوط متزامنة على الشبكات. الأحداث الأخيرة تبيّن أن الإحاطة بالمعلومات أشدّ فعالية عندما تكون مشتركة.
• إصلاحات اقتصادية هيكلية: الحدّ من الدولار السوقي المواز، إعادة بناء جهاز مصرفي شفاف، وبرامج توظيف للشباب قد تقلل من فرص استقطابهم إلى اقتصاد الجريمة.• مقاربات صحية واجتماعية: برامج الوقاية من الإدمان، تيسير العلاج، ودعم المجتمعات المحلية لخفض الطلب الداخلي على المخدرات.
خاتمة
الوقائع والضبطيات الأخيرة ترسّخ الفكرة القائلة إن لبنان لم يعد مجرد طريق عبور؛ بل أصبح فضاءً إنتاجياً ولوجيستياً يستفيد منه «اقتصاد خارج الدولة» في حماية تجارة بلا حدود.
التحدّي أمام السياسات اللبنانية والإقليمية هو الجمع بين الضربات الأمنية الدقيقة والتدابير الإنمائية الهادفة لإجهاض اقتصاد المخدرات من جذوره. التنمية المتوازنة، استعادة القدرة المؤسسية، وتعاون دولي فعّال شروط لازمة لتحويل لبنان من «جغرافيا للمخدرات» إلى مساحة للتنمية والاقتصاد القانوني المستدام.