بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 أيلول 2025 12:00ص قضية الإيجارات.. المأساة المستعصية

حجم الخط
د. سلوى شكري كرم
المحامي ملحم مارون كرم

يقول ابن رشد: إذا رأيت الخطيب يحثّ الفقراء على الزهد دون الحديث عن سارقي قوتهم فاعلم أنه لص بملابس واعظ. ويضيف: التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها التخلّف، فاذا أردت أن تتحكّم في جاهل، فما عليك إلّا أن تغلّف كل باطل بغلاف ديني. ويقول كارل ماركس: الفقر لا يصنع الثورة، وإنما وعي الفقير هو الذي يصنع الثورة. الطاغية مهمته أن يجعلك فقيرا، وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائبا. وكذلك يقول غوستاف لوبون: الشعوب المتدينة لا تشعر بتأنيب الضمير عندما ترتكب خطأ أخلاقيا أو قانونيا، لانها نشأت على مفهوم أن العبادات تمحو الذنوب، وهو ما يشكّل أرضية خصبة لسوء الخلق.
ذات يوم قال شارلي شابلن نكتة أمام الجمهور فضحك الجميع. وأعادها للمرة الثانية فضحك البعض فقط. وحين أعادها للمرة الثالثة لم يضحك أحد. بعدها قال جملته الشهيرة: إذا لم تستطع أن تضحك وتضحك لنفس النكتة، فلماذا تبكي وتبكي لنفس المشكلة؟
ففيما خص قضية الايجارات، وبخاصة الأماكن السكنية، فالمأساة هي هي تتكرر مع بدء السنة القضائية الجديدة ومع بدء فصل الخريف وبعده فصل الشتاء، حيث يقصد معظم الناس المدن أو المناطق والأحياء القريبة من المدن، بحثا عن المنازل والمكاتب لان في المدن، وبالأغلب في العاصمة، العمل والجامعات والمستشفيات ومعظم المؤسسات الحكومية والخاصة.
كل هذه الأمور تنعكس بطريقة مباشرة وغير مباشرة على قطاع الايجارات والسكن، في شكل عام، لانه في فصلي الخريف والشتاء يكثر بالعادة الطلب على استئجار الشقق السكنية والمكاتب، خاصة في العاصمة بيروت والمدن الكبرى، حيث الحياة والحيوية والعمل والنشاط والدورة الاقتصادية، في شكل عام.
وفي ظل عدم استتباب الأوضاع التشريعية التي لا يلبث أن ينجم عنها أوضاعا اقتصادية واجتماعية، وحتى سياسية، لا تقلّ سوءا وتدهورا وتفاقم أزمة، لا بل أزمات، بدأت منذ أكثر من خمسين عاما، ولا تزال تتفاقم وتزداد، دون أي مبادرة رسمية في إيجاد الحلول الملائمة، مع وجود انقسام في الرأي، حتى بين القانونيين، من قضاة ومحامين، حول بدء سريان القانون الجديد للايجارات، لان على بدء السريان تترتب نتائج قانونية وعملية في غاية الأهمية، ألا ومن أهمها الوقت الذي بحلوله تتحرّر جميع عقود الايجارات وتصبح تاليا خاضعة حصرا لمشيئة المتعاقدين، طبعا مع احترام بعض القواعد القانونية الإلزامية التي لا يمكن لأفرقاء العقد مخالفتها أو تجاهلها.
فبينما يتخطّى التضخم الفعلي نسبة الـ 158% وبينما تبيّن احصاءات وزارة المال لعام 2017 أن هنالك 64000 مستأجر قديم. ومن أصل هؤلاء هنالك 8000 طلب قدّم للصندوق، أي لصندوق المساعدات الذي أقرّه ونص عليه القانون الجديد للايجارات (البدعة في الحقيقة التي أوقعت فيما بين آلاف المالكين والمستأجرين لانها مادة قانونية من باب لزوم ما لا يلزم، في ظل شبه افلاس الدولة اللبنانية مع تخطّي قيمة الدين العام مبلغ الـ 80 مليار دولار أميركي، وفي ظل شبه استحالة، في رأينا، وضع الصندوق وتقديماته حيز التنفيذ العملي، ان لناحية ما سوف يقدمه للمالكين أم للمستأجرين).
وفيما خص الايجارات للأماكن غير السكنية، ومع صدور القانون الجديد للايجارات غير السكنية، بتاريخ 21/8/2025 ان الأزمة لم تنتهِ بعد، ولن تنتهِ للأسف، مع وجود حوالي 25900 قسم لغير السكن للايجار، بحسب احصاءات وزارة المال، مقابل 87000 قسم مؤجر على أساس الايجارات الجديدة، طالما السياسة المتبعة في قانون الايجارات، ان كان في الأماكن السكنية أم غير السكنية، هي على هذا المنوال، دون الارتكاز على أسس علمية احصائية وبيانات وأرقام ودراسات تبيّن حقيقة ما يجب إقراره من قوانين في هذا المضمار، على أن تحاول تلك القوانين إيجاد الفرص الأنسب للخروج من هذه الأزمة وهذه المأساة التي تلقي بظلالها على المستأجرين، الجدد والقدامى، والمالكين، الجدد والقدامى، على حد سواء وعلى قدم مساواة حقيقية فعلية.
فلنرى، آملين ألا نرى ما رأيناه من مأساة - قديمة جديدة – تتكرر، دون جدوى، في ميدان الايجارات، بين المالكين والمستأجرين، ان كان في مجال الايجارات السكنية أم غير السكنية، تلك المأساة التي لم يكن ينتج عنها، في الماضي وفي كل مرة، سوى عدم الرضى والتململ والتذمر والبؤس والخراب والتشرذم، والأهم والأخطر من كل ذلك، ضياع الحقوق والتظلّم واللامنطق وقلّة العدل وفقدان المساواة.