نبيل سوبره
في العام الماضي، كنا نتكلم عن تحلل الدولة ومؤسساتها وتفكك المجتمع وانعدام قدرة الطاقات الإنتاجية الباقية في البلد على حل الأزمة الاقتصادية والمالية، وكذلك رحيل القوى الشبابية من لبنان المعتمد عليها في الإنتاجية والإبداع والطموح لنهضة الاقتصاد اللبناني وإعادة لحمة المجتمع. أما اليوم، فنحن أمام مشهد جديد على الساحة الإدارية وقيادة البلد (علما أن القوى السياسية القديمة والمتوارثة ما زالت متمترسة في مواقعها في المجتمع مع جمهورها وفي الإدارة).
لم يحدث انقلاب في قيادة البلد إنما الذي حدث هو تغيير في الإدارة، فلدينا اليوم رئيس للجمهورية أتى بقوة التغيير من القوى الإقليمية في المنطقة ويحظى برضى شعبي كبير.
إن السابع من أكتوبر كان محفّزا للتغيير في لبنان وسوريا، إذ أصبح لدينا رئيس من خارج الطبقة السياسية التقليدية، لديه العزم والحزم على التغيير متجانساً مع التغيير الذي يحصل في المنطقة، لإعادة بناء الدولة المتحللة على أسس إصلاحية واستعادة السيادة، ويعمل بسلاسة وأعتقد أن السلاسة هي من أطباعه في التعامل كما نشهد في أدائه؛ وكذلك رئيس مجلس الوزراء المشهود له بالشفافية والنزاهة والإدارة والحزم.
لكن لغاية الآن، لم يأتنا هذا العهد بمخطط توجيهي مع برامج لإصلاح الإدارة وتحديثها. نعلم أن هذا المشروع هو صعب ومعقّد في لبنان بسبب انهيار النظام والقيم في مجتمعنا فهناك مشكلة، والسبب هو تراكم الحروب والصراعات وأثرها على المجتمع اللبناني. نجح العهد بما هو مطلوب أي المصالحة مع أشقائه العرب، لكن كل ذلك التغيير لا يكفي لإكمال عملية الإصلاح والتحديث الاقتصادي (إذ يلزم الاستعانة بشركة استشارات عالمية متخصصة بالإدارة وبالاجراءات الإدارية لتقوم بعملية التحديث الإداري). من هنا ندخل على الموضوع المالي والتمويلي، فبدون اقتصاد ومال يكون الإصلاح صعبا وغير واقعي بغض النظر عن الوضع السياسي والأمني البعيد عن اختصاصنا. نطرح هنا عملية إعادة بناء دولة صالحة ومطيعة لخدمة شعبها، إذ أنه لا أمل لبناء ذلك النموذج من الدولة في ظل الوضع المالي والاقتصادي الحالي.
فمن الواضح أن التخبط والتشابك لحل الأزمة المالية ما زال هو نفسه منذ خمس سنوات، فكل الحلول المطروحة تزيد سمعة لبنان وإدارته المالية والاقتصادية سوءا؛ وذلك بسبب غياب عقلية «Public Servant» لدى معظم الشعب اللبناني بما فيه المسؤولين. فالتعاطي دائما ما يكون بعقلية التاجر الذي ينظر إلى الربح الخاص لا إلى المصلحة العامة.
لم يعترف المسؤولون الجدد كما السابقون بمسؤولية الدولة عن الفجوة المالية والتي تقدّر بحوالي ٧٤ مليار دولار أميركي بغض النظر عن اليوروبوند، والتي لها أثر سلبي على المودعين اللبنانيين والعرب والأجانب. وللمفارقة، نسمع اليوم عن محاولات هؤلاء المسؤولين لجلب استثمارات إلى لبنان من قبل إخوانه العرب، علما أن استثمارات المساهمين والمودعين العرب في المصارف اللبنانية لا زالت مجهولة المصير.
لذا، لن يعود الأمل إلى لبنان إلّا من خلال برنامج للإصلاح السياسي والإداري والاجتماعي والاقتصادي مبني على نظام قيم جديد، مع ضرورة حل مسألة الفرز الديموغرافي الطائفي الناتج عن الحرب الأهلية والتخلص من عقلية «Real Estate Apartheid»؛ وكذلك عبر الاعتماد على قطاع عام فاعل وشفاف وبرجال يؤمنون بالخدمة العامة وتحمّل المسؤولية وتطبيق مبدأ المحاسبة والمسائلة، وبالكفّ عن الاعتماد على القطاع الخاص ولكن مع دعمه. والأهم من كل ذلك هو الاعتراف بالفجوة المالية التي تقع مسؤوليتها على الدولة اللبنانية وحدها بصفتها مسؤولة عن مؤسستها المالية ألا وهي مصرف لبنان، وكذلك إعادة الودائع بأسرع وقت ممكن، لكي تعود الثقة تدريجيا وتعود معها الاستثمارات الداخلية والخارجية إلى لبنان.