بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 آب 2024 12:00ص الروائي حبيب عبد الرب سروري لـ«اللواء»: لا يمكن إدراكُ المستقبل دون معرفة الماضي واستيعاب اتجاهات الحاضر

الروائي حبيب عبد الرب سروري الروائي حبيب عبد الرب سروري
حجم الخط
أبدع الروائي «حبيب عبد الرب سروري» بنسج روايته «نزوح» الصادرة عن «دار الساقي» بأريحية عصرية ذات مقاربات زمنية وجدليات لا تنتهي للوهلة الأولى تظن أنك تتحدث مع «شات جي بي.تي» بل كأنك داخل عالم الميتافيرس، وترى تحوّل الماضي إلى حاضر بأسلوب معزز بالتنقل وسهولة فهم الأمكنة، ليعالج من خلال ذلك الكثير من الرموز التي نستطلع من خلالها الكثير من التفاصيل الغائبة عن البال والحاضرة في الحياة، وكأن «نزوح» هي صحوة من غفلة نستيقظ في نهاية السطر الأخير على عالم آتٍ نحونا بسرعة. ومع الروائي حبيب عبد الرب سروري أجريت هذا الحوار:
{ ما بين «الصافنات الجياد» و«بيغاسوس»، أقلعتَ بنا في رواية «نزوح» نحو المستقبل، جمعتَ فيها أزمنة عديدة في زمن روائي واحد، ما رأيك؟
- فعلا عزيزتي. لأشرحَ أوّلا: التعبير القرآني «الصافنات الجياد» يعني الخيل الذي يقوم على ثلاث، وله أجنحة. وبيغاسوس هو الحصان المجنّح الأسطوري في الميثولوجيا الإغريقية، وهو اسم إحدى المركبتين الفضائيتين في الرواية.
لا يمكن بالطبع إدراكُ المستقبل دون معرفة الماضي واستيعاب اتجاهات الحاضر.
غزوُ الفضاء وفكّ أسرار السماء من أقدم أحلام الإنسان. «رواية الغفران» (الجزء الروائي من «رسالة الغفران» للمعري)، و«الكوميديا الإلهية» لدانتي، مثلهما مثل «الإسراء والمعراج»، تعبيرٌ عن هذا التوق بالصعود إلى الأعلى عبر التخييل، وإن كان هنا لأسبابٍ دينيّة.
لا توجد ثقافةٌ في الماضي، كما ألاحظ، لم تخترع لها أساطير بشرٍ حاولوا الطيران بأجنحة، كعباس بن فرناس في ثقافتنا.
لا يمكن عزل رغبات وأحلام روّاد الفضاء العشرة في مركبتَي رواية «نزوح» عن تلك الأحلام الأزليّة التي صار بالإمكان اليوم، في عصر غزو الفضاء، تحقيقها عملياً.
مركبة بيغاسوس، في الرواية، ابنةُ آخر إبداعات المستقبل القريب القادم: كاتدرائيةٌ إلكترونية مهيبةُ الجمالِ والتصميم. أحدثُ وأبدعُ «الصافناتِ الجِيادِ» الإلكترونية، بلا منازع. يكفي، للتأكد من ذلك، رؤيتها بجدرانها المتلألئة ونوافذها الزجاجية، والتجوّل في فناءِ مختبراتها وغُرفِ أعضاءِ فريقها، والصعود إلى محرابِها: قُبّتها الزجاجية التي تنتصُّ عليها كتاج...
هي ابنة عصر الذكاء الاصطناعي وقد صار قاب قوسين أو أدنى من الاستقلالية من توجيه الإنسان.
أكبر رمزٍ لذلك كمبيوتر بيغاسوس: «وادي عبقَر»، على اسم وادٍ ميثولوجي في اليمن، جاءت منه كلمة «عبقري» بالعربية، (هنا أيضا يتمّ الربط بين المستقبل ورموز الماضي السحيق، كما لاحظتِ).
«وادي عبقَر»، من ناحية، همزةُ الوصل بين المركبة وطاقم روّادها والمركز الفضائي الأرضي في «أرخبيل سقطرى الجديدة»، ومن ناحية أخرى، صاحبُ القرار الأوحد في لحظاتِ الطوارئ.
هو وحدهُ من يتولّى القيادةَ عندما يلزم اتخاذ القرار سريعاً جدّاً: اختيارُ نقطةِ هبوط المركبة في أرضٍ صخريّةٍ معقّدة على هذا الكويكب البعيد أو الكوكب، في هذه المحطّة الفضائية أو تلك، وعلى نحوٍ خاص، عندما ينبغي التعاملُ مع وضعٍ خطِرٍ يلوح من بعض منحنيات الرسومات البيانية، لحالةِ دماغ هذا أو ذاك من روّاد الطاقم، أو لِسوء وضعهِ الصحيّ.
{ لماذا هذا التفكير بإمكانية الإنجاب خارج نطاق الجاذبية الأرضية؟ هل تتوقّع ندرة الإنجاب في المستقبل عبر روايتك «نزوح»؟
- الحياة في بيئة ضعيفة أو منعدمة الجاذبية مختلفةٌ كليّة عن الحياة على الأرض. أجسادنُا ابنة الجاذبية الأرضية، لا يمكنها الطيران كالفراشات. ظروفُ الحياة خارج نطاق الجاذبية لا تلائمنا إطلاقا.
فرضيّةُ الإنجاب والتكاثر البشريّ، خارجَ نطاق الجاذبية الأرضيّة، سؤالٌ مثير يُسيلُ لعاب الأدب، والتخييل الروائيّ خصوصا: هل يمكن للإنسان المقيم في بيئةٍ سماويّة مستديمة، بعيداً عن الجاذبية الأرضية، أن يُناكِحَ ويضاجعَ ويُنجِبَ ويتكاثر؟
من هذا السؤال المفتوح، الذي لا يعرف العِلم بعدُ الردّ عليه، انطلقت الرواية.
أما عن توقّعات انخفاض الإنجاب في المستقبل فعلاماتها أكيدة في كثير من الدول: روسيا في المقدمة، ألمانيا وإيطاليا كأمثلة أخرى.
ازدياد ذلك فرضيّةٌ مهمّة في زمن الرواية المستقبليّ القريب:
الشعوب المتطوِّرة (التي كانت ضعيفةَ الإنجاب أساساً)، يزيدُ نفورُ معظمِ شبابِها من الإنجاب، في عالمٍ غيرِ مضمون، يسحقُه الاختلالُ البيئي وتداعياتُ التطوّرِ التكنولوجيّ الماحقة.
والشعوب غير المتطوِّرة التي كانت تنجب، بأرقامٍ تجارية، يتقلّصُ سكّانها، حدّ الاندثار، لأسبابٍ إضافية: صراعاتها وحروبِها الداخلية، تخلُّفُها المستفحل، وفتكُ الفقرِ بها، والأمراض المتشابكة والأوبئة (القديمة والجديدة) والبؤس والمجاعات...
{ وماذا عن موقع الأنثى في مركبات الفضاء، ألا تنقصها رائدات فضاء من بلداننا العربية؟
- غياب المرأة عن طواقم المراكب الفضائيّة له تداعيات معروفة، سيئةٌ جدا، تلخِّصها الرواية بـ: «... وأيّ مركبةٍ تغادر الأرض لِمهمّةٍ استيطانيّةٍ طويلةِ الأمد، إن كانت من دون أنثى، تتحوّلُ، رويداً رويداً، كما برهنَت تجاربُ رحلات الفضاء، إلى عرينِ مجانين مسعورين: ديوك يُعادي بعضُهم بعضاً، يكرهُهُ ويمقتُه. تضمُرُ أفئدتُهم وتتصحّرُ أرواحُهم، إثر مزيجٍ من قحطٍ موسيقيٍّ وتوتّرٍ نفسيٍّ وضغطٍ عصبيّ، يُضرِمُ تدريجياً عصبوناتِ أدمغتهم، يُكلِّس شُعيراتهم الدمويّة، ويقودُهم، يوماً بعد يوم، إلى الانكماشِ والخواءِ والتّهلُكة».
الاتجاهُ حاليا هو زيادة حضور المرأة في طواقم مركبات الفضاء، لأنه ضروريٌّ وحاسم لنجاح أي رحلة طويلة. أما في الرواية فهو الشرط الرئيس، لأن إحدى المهام المركزية السريّة للرحلتين، والمخفيّة عن روّادها، هو دراسة إمكانية الإنجاب.
كيف برمج «وادي عبقر» اختيار نساء ورجال طاقم الرحلة للوصول إلى هذه الغاية؟ ماذا كانت النتيجة؟ هل يمكن، في الحقيقة، برمجةُ علاقاتِ حبٍّ حقيقي بين رجالٍ ونساء من قِبلِ ذكاءٍ اصطناعي؟ ما دور الصدفة في عرقلة كلِّ توقّعاتٍ وخططٍ وخوارزمياتٍ مسبقة لتأسيسِ حبٍّ اصطناعي؟ كيف تتمّ العلاقة الجنسية في الفضاء؟ وماذا عن الإنجاب هناك؟
أسئلة كثيرة ستحاول الروايةُ الردَّ عليها...
أما عن غياب المرأة العربية (إذا استثنينا حضورَ رائدة فضاءٍ سعوديّة مؤخرا)، فهو انعكاسٌ لِغياب الإنسان العربيّ عن الحضارة.
لكنها حاضرةٌ في الرواية، على نحوٍ مشرِّفٍ ومدهش، بفضل الرائعتين الاستثنائيتين العظيمتين: خولة ومانيارا.