بيروت - لبنان

اخر الأخبار

24 أيار 2025 12:05ص صراع ساخن على سوريا

حجم الخط
حضر يوم الفرار الكبير من دمشق: فرار بشار الأسد من دمشق إلى روسيا، لتساقط سوريا كلها، وتهاويها. إنهارت الدولة وإنكبت للذقن. وإندفعت القوى الإقليمية والقوى المحلية للتحرك، وأخذت في قضم ما تقع عليه يدها، تجعله عصفا مأكولا، دون أن توفر شيئا. وهذا ما أدّى ظهور الأزمات القديمة على السطح: أزمة الأقليات، وأزمة الحكم، وأزمة المعارضة، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية والإجتماعية والتربوية والعسكرية والسياسية.
غير أن مشهد طلب السجون والوقوف عليها، كان أكثر المشاهد مأساوية. خرج القليلون من العتمة لعقود طويلة، بقي الكثيرون مكتومي المصير، لا يعرف ما إذا كانوا أحياء أم موتى المقابر الجماعية. فجأة، انفجرت سوريا بأهلها، خرجت جميعها من القمقم دفعة واحدة إلى الفوضى وإلى الحرية، بل إلى فوضى الحرية. خرج الكل إلى الكل، يبحثون عن الأهل: أبناء وأحفادا، وأبناء عشيرة وأبناء عمومة. أسقط البلاد كلها في يدهم، فما عاد الجفلى يعرفون الدروب إلى الحقائق المؤلمة. بدا أكثر من ثلاثة أرباع القرن محطّما فوق رؤوسهم، فخرجوا دوخى المشاهد كلها.
ضرب الزلزال السياسي بلاد سوريا العظيمة، من أقصاها ألى أقصاها، وعادت القبائل والعشائر والطوائف تبحث عن أبنائها.
إشتدّ الصراع المحلي، وصار أكثر سخونة، وضاع الحق بين المأزومين، بحيث لا نعرف على من تقع تبعات الأحداث الدامية، سواء تلك التي حصلت في شمال سوريا أو جنوبها، أو حتى أوساطها، لأن بلاد سوريا، ليس لها وسطا واحدا.
منذ يوم الفرار الأثيم واللئيم والغادر واللعين، منذ يوم الفرار الأسود، دخلت سوريا مرحلة التفتت والتشرذم، وصارت جميع الفئات السورية، تبحث عن السبل الكفيلة لها بحفظ أمنها، وهذا أسوأ ما تصاب به البلاد من شرذمة، وجلست القوى الإقليمية، وخلفها القوى العظمى، تبحث عن السبل التي تجعل من سوريا أعظم حصة لها.
سوريا غنية في مائها وغنية في نفطها، وغنية في بحارها وجبالها وسهولها.. وهي إلى ذلك، قد أحالها توحش النظام البائد، كما توحش القوى الإقليمية والدولية عليها، إلى مزق لأشداقها.
الصراع الساخن على سوريا اليوم، يؤذن بالفتن الطائفية، فما جرى في الساحل السوري، يجعلنا جميعا نمسك قلوبنا. واليوم تعاد تلك التجربة الأليمة في الجنوب السوري، حيث الفتنة تذر قرنها، فما بالك فيما يجري من تجريف إسرائيلي: سياسي وعسكري وإجتماعي لها! فهل كان المطلوب، أن يذهب السوريون إلى طلب الحماية الدولية؟!
الصراع الساخن على سوريا، مفتوح على جميع الاحتمالات، في حمأة دفاع الطوائف عن نفسها.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية