بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 نيسان 2026 12:10ص هل يدخل لبنان المسار الذي بدأ في كامب ديفيد؟

حجم الخط
د. رشا أبو حيدر

في خضم التحوّلات السياسية المتسارعة في المنطقة، يعود إلى الواجهة النقاش حول قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان، على خلفية ما يتداول عن ضغوط أميركية تدفع باتجاه إلغائه أو تعديله. هذا الطرح لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، ولا عن التجارب السابقة التي شهدت انتقال بعض الدول العربية من حالة العداء القانوني والسياسي إلى مسار التطبيع الكامل.
قانون المقاطعة الصادر عام 1955 لم يكن مجرد نص قانوني عابر، بل جاء كترجمة لموقف سيادي مرتبط بالصراع العربي - الإسرائيلي، واضعاً قيوداً صارمة على أي شكل من أشكال التعامل المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل. وبالتالي، فإن المساس بهذا القانون لا يعدّ خطوة تقنية أو إجرائية، بل يمسّ بجوهر التوجه السياسي للدولة اللبنانية ويطرح تساؤلات عميقة حول موقع لبنان في خارطة الصراع.
لكن في المقابل، فإن قراءة أي طلب خارجي لإلغاء هذا القانون باعتباره إعلاناً مباشراً عن بدء مسار تطبيع قد تكون قراءة متسرّعة. التجارب التاريخية تشير بوضوح إلى أن التطبيع لا يأتي بقرار مفاجئ، بل يمرّ بمراحل تدريجية تبدأ غالباً بإزالة القيود القانونية، تمهيداً لفتح قنوات تواصل سياسية أو أمنية أو اقتصادية.
في هذا الإطار، يمكن استحضار تجربة اتفاقية كامب ديفيد، التي لم تكن وليدة لحظة، بل جاءت بعد مسار طويل من التحوّلات السياسية، أبرزها زيارة أنور السادات إلى القدس، وما سبقها من اتصالات غير معلنة. وكذلك الحال في معاهدة وادي عربة، التي سبقتها سنوات من التنسيق والتفاهمات غير المباشرة.
انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن إلغاء قانون المقاطعة، إن حصل، قد يشكّل خطوة تمهيدية لإزالة الحواجز القانونية التي تعيق أي انفتاح مستقبلي، لكنه لا يعني بالضرورة أن لبنان دخل فعلياً في مسار تطبيع. فالتطبيع، بمفهومه الشامل، يتطلب قراراً سياسياً سيادياً، وتوافقاً داخلياً، وظروفاً إقليمية مختلفة، وهي عناصر لا تبدو متوفرة حالياً في الحالة اللبنانية.
إضافة إلى ذلك، يتميّز الوضع اللبناني بخصوصية معقّدة، حيث يتداخل القانوني بالسياسي بالأمني، وتلعب التوازنات الداخلية دوراً حاسماً في تحديد أي خيار استراتيجي. فمسألة العلاقة مع إسرائيل لا تطرح فقط كخيار دبلوماسي، بل كقضية مرتبطة بالأمن الوطني وبموقع لبنان في صراع لا يزال مفتوحاً.
من هنا، فإن أي نقاش حول إلغاء قانون المقاطعة يجب أن يقارب بحذر، بعيداً عن التبسيط أو التهويل. فهو ليس مجرد تعديل قانوني، ولا هو بالضرورة إعلان تطبيع، بل يقع في منطقة رمادية بين الضغوط الدولية والحسابات السيادية.
وفي المحصلة، يبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان القانون سيلغى أو يبقى، بل ما إذا كان لبنان مستعدّاً أصلاً للانتقال من موقع المواجهة القانونية إلى موقع إعادة تعريف علاقته بهذا الصراع، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية واستراتيجية.
ففي دولة القانون، لا تتحوّل التشريعات إلى أدوات ظرفية تبدّل تحت الضغط، بل تبقى مرآة للسيادة، وحدوداً فاصلة بين ما يفرض من الخارج وما يقرّر من الداخل.