الاضطراب السياسي العالمي هو التوصيف الأكثر دقة، لمجمل الأزمات الدولية والإقليمية والوطنية والأمنية والاقتصادية والسياسية والعقائدية والوجودية، وهذا الاضطراب يشمل كل القارات والهويات واللغات والديانات والقطاعات والأجيال والفنون والثقافات، الاضطراب السياسي العالمي ليس ازمة عابرة تجتاح المجتمعات، انه تحول بنيوي عميق بجعل الوجود البشري في حالة من عدم اليقين والقلق والاضطراب.
الاضطراب السياسي هو نتيجة الانحرافات نحو لاستثناءات على حساب المواثيق وقواعد الانتظام الدولية، غير أن هذا التعريف البسيط يخفي الكثير من التعقيدات، لأن الانحراف عن القواعد لا يحدث دفعة واحدة، إنما يأتي من خلال عملية تراكمية معقدة على مدى سنوات طوال، حتى يصبح الانحراف (مألوف، مقبول، مشروع)، وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، مما يجعل من الاضطراب السياسي هو النظام الدائم وليس حالة طارئة، وتتقدم العقول السياسية المضطربة، والقادرة على احداث الانقسام وافتعال الفوضى، والقدرة على قيادة المجتمعات إلى المزيد من الاضطراب السياسي.
إن شيوع الاضطراب السياسي، لا يمكن أن ينتج اي نوع من الاستقرار الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، فحين تضطرب العقول، يصبح العنف بكل أنماطه من مظاهر الحياة العامة، اما العقول السياسية المتوازنة والقادرة على لم الشمل والوئام، تصبح عبء على المجتمعات المضطربة، وتتعرض لموجات من الاضطهاد والتهميش والاغتيال المعنوي والاغتيال الفعلي.
العقول السياسية المضطربة لا تعترف بالحقيقة النسبية، لأنها تدعي امتلاك الحق المطلق، وتعيش حالة من التضخم الذاتي، وتتوهم أنها تعمل من اجل المثل العليا والقضايا النبيلة والمقدسة، وتمعن في سوء التقدير والتباس المعاني والمعايير، وتعميم الكراهية واعتماد الأدوات المحرمة، من اجل تعزيز تحكم العقل السياسي المضطرب، بمصائر الشعوب والدول.
العقول المضطربة تصنع الفوضى والحروب وتفكك المجتمعات، وتجعل من حرية الفرد الإنسان قيمة مستحيلة التحقق، في عالم مضطرب، يحول المساحات المشتركة إلى فضاءات من الجفاء والخواء، والعقول السياسية المضطربة جعلت العالم باسره، هذه الايام يعيش في حالة، من الخوف والقلق والضياع وانعدام الامان، مما يجعل البشرية جمعاء تعيش مرحلة من الاضطراب السياسي العالمي.