بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 أيار 2026 12:20ص قانون العفو رهن مفاجآت اللحظة الأخيرة؟

حجم الخط
بعد أكثر من عشرين عاماً من التجاذبات والمزايدات السياسية والوعود المؤجلة، يقترب مشروع قانون العفو العام من الوصول إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، وسط آمال واسعة بإنهاء واحد من أكثر الملفات الإنسانية والقضائية تعقيداً في لبنان، يقابلها في الوقت نفسه حذر مشروع من سقوط القانون مجدداً في "فخ" التأجيل، خصوصاً أن إدراجه في آخر جدول الأعمال، بعد نحو ستة وعشرين مشروعاً واقتراح قانون، يفتح الباب أمام مفاجآت اللحظة الأخيرة.
أهمية هذا القانون تتجاوز البُعد السياسي أو الانتخابي، لأنه يرتبط مباشرة بمأساة آلاف السجناء والموقوفين الذين تحوّلت قضاياهم إلى رهينة الخلافات بين القوى السياسية والطائفية. وخلال العقدين الماضيين، استُخدم ملف العفو مادة للمزايدات الشعبوية، فيما كانت السجون اللبنانية تغرق أكثر بالاكتظاظ، وتتفاقم أوضاع "الموقوفين الإسلاميين" غير المحكومين الذين يشكلون نسبة كبيرة من عدد السجناء، وبعضهم أمضى سنوات طويلة خلف القضبان من دون أحكام نهائية، في انتهاك واضح لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
الصيغة التي أقرتها اللجان المشتركة حاولت الجمع بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن العام، فجاءت قائمة على مبدأ تخفيض العقوبات والعفو الجزئي أكثر من العفو الشامل. ومن أبرز البنود الواردة فيها، منح تخفيضات مهمة لأجكام المؤبد والأشغال الشاقة بحق السجناء الذين تجاوزوا سناً معينة، أو المصابين بأمراض خطيرة ومستعصية، إضافة إلى المحكومين الذين أمضوا الجزء الأكبر من مدة محكوميتهم، وأظهروا سلوكاً جيداً داخل السجن.
كما تضمَّن المشروع معالجة خاصة "للموقوفين الإسلاميين" غير المحكومين، عبر احتساب مدد التوقيف الطويلة بطريقة تتيح الإفراج عن عدد كبير منهم، خصوصاً أولئك الذين تجاوزت فترة توقيفهم الحد المعقول مقارنة بطبيعة الجرائم المنسوبة إليهم. كذلك شملت التخفيفات بعض الجرائم المرتبطة بزراعة المخدرات أو تعاطيها والإتجار المحدود بها.
في المقابل، جاءت لائحة الاستثناءات واسعة وحاسمة، إذ استبعد المشروع بصورة نهائية جرائم الإرهاب، والتعامل مع العدو الإسرائيلي، وجرائم القتل العمد ومحاولة القتل، والإعتداء على العسكريين والقوى الأمنية، إضافة إلى الجرائم المالية الكبرى المرتبطة بالفساد واختلاس الأموال العامة وتبييض الأموال. كما استُثنيت الجرائم المنظمة ذات الطابع الشبكي، وعمليات تهريب الكبتاغون والمخدرات على نطاق واسع.
وتبقى أكثر النقاط إثارة للخلاف مرتبطة بمسألة شمول بعض الموقوفين الإسلاميين، مثل الشيخ أحمد الأسير، وحدود الإستفادة من تخفيض العقوبات في الجرائم الأمنية، فضلاً عن الإعتراضات على منح الأجهزة الأمنية والقضائية صلاحيات تقديرية في تحديد المستفيدين، ما يثير مخاوف من استنسابية في التنفيذ.
ورغم كل التعقيدات، فإن إقرار هذا القانون اليوم في مجلس النواب ولو بصيغة غير مثالية، يشكل خطوة ضرورية لتخفيف واحدة من أكبر المظالم الإنسانية داخل السجون اللبنانية، ولإثبات أن عدالة الدولة قادرة، ولو متأخرة، على الجمع بين العقاب والرحمة، بعيداً عن الحسابات الضيقة التي عطّلت هذا الملف لعقود.