بينما كان العالم يحتفل بكأس العالم... كان لبنان يلعب على حافة وطن.
في ساعات قليلة فقط، اجتمعت مشاهد يصعب أن تنتمي إلى دولة مستقرة.
أعلام إيرانية تُرفع في شوارع بيروت.
قطع طرقات.
الجيش اللبناني يتدخل لإعادة فتح طريق المطار.
لافتات تقول: «لبنان أولاً»... و»لبنان يجمعنا».
توغل إسرائيلي جديد في الجنوب.
وتصريحات حاسمة ترفض أي ربط بين الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح المقاومة.
ثم جاء الإعلان عن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في واشنطن، لتبدأ معركة جديدة... ليس على الحدود، بل داخل لبنان نفسه.
فالاعتراض الحقيقي لا يدور حول تفاصيل تقنية، بل حول بنود تمس جوهر النظام اللبناني، أبرزها:
حصر السلاح بيد الدولة.
تعزيز انتشار الجيش في الجنوب.
آلية لانسحاب إسرائيلي مرتبطة بالتنفيذ.
إشراف دولي وأميركي على مراحل التطبيق.
إطلاق مسار سياسي وأمني جديد إذا نجحت المرحلة الأولى.
ومن هنا بدأ الانقسام.
هناك من يرى أن هذه فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وأنه لا يمكن لأي دولة أن تستقيم بوجود أكثر من قرار عسكري.
وفي المقابل، هناك من يعتبر أن أي نقاش في سلاح المقاومة قبل إنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية هو تنازل استراتيجي يهدد لبنان كله.
لكن برأيي... نحن نناقش النتيجة، ولا نناقش أصل المشكلة.
فالمسألة لم تعد فقط: مع السلاح أم ضده؟
المسألة أصبحت:
هل اتفق اللبنانيون أصلاً على شكل الدولة التي يريدونها؟
لا يمكن بناء دولة إذا كان جزء من شعبها يعتبر أن مصدر القوة هو الدولة، بينما يعتبر جزء آخر أن مصدر القوة خارج مؤسساتها.
ولا يمكن لأي اتفاق خارجي، مهما كانت الجهة الراعية له، أن يصنع استقراراً دائماً إذا بقي العقد الوطني نفسه موضع نزاع.
المشهد الذي رأيناه في يوم واحد كان كافياً ليختصر الأزمة كلها.
علمٌ يرمز إلى محور.
ولافتةٌ تدعو إلى الوطن.
جيشٌ يحاول حماية النظام العام.
عدوٌ يتقدم عند الحدود.
وسياسيون يختلفون على تعريف السيادة نفسها.
هذا ليس خلافاً سياسياً عادياً.
هذه أزمة هوية وطنية.
ولهذا أخشى أن يكون اللبنانيون قد اعتادوا انتظار الحلول من الخارج، بينما الحقيقة القاسية هي أن الخارج لا يستطيع أن يوحّد شعباً لم يحسم بعد السؤال الأساسي:
أي لبنان نريد؟
لبنان الدولة؟
أم لبنان الساحات المفتوحة لتصفية صراعات الآخرين؟
لأن التاريخ يعلمنا أن الدول لا تسقط عندما يشتد ضغط الخارج فقط...
بل عندما يعجز أهلها عن الاتفاق على الأولويات، فيصبح كل فريق مقتنعاً أنه يحمي الوطن... بينما الوطن نفسه يضيع بين الروايات المتناقضة.
خلود وتار قاسم