رون بن يشاي
لم تُنشر بعد كل تفاصيل اتفاق الإطار الذي وُقِّع مساء الجمعة [أول أمس] بين لبنان وإسرائيل في وزارة الخارجية الأميركية. فما زال الجدول الزمني لتنفيذ الاتفاق، إن كان موجوداً أصلاً، غير معروف، كذلك لا يزال من غير الواضح الحجم الدقيق للجيوب، أو المناطق التجريبية التي يُفترض أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي. ومن المحتمل أن هذه التفاصيل لم تُحسَم بعد، وأن الاتفاق لا يزال اتفاقاً مبدئياً ليس إلّا.
لكن قيمة هذا الاتفاق تكمن حقاً في المبادئ التي يعلن لبنان وإسرائيل أنهما متفقان عليها. وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في المرحلة الراهنة، في ظل محاولات إيران إعادة فرض هيمنة حزب الله على لبنان وإعادة بلاد الأرز إلى وضع الدولة التابعة لنظام الملالي، عبر التنظيم الشيعي، كما كانت عليه الحال طوال أعوام.
المبدأ الأول، حسبما فهمنا، هو أن كلاً من إسرائيل ولبنان يحترم سيادة الآخر. وهذا يعني أن أي مواطن لبناني، حتى لو كان عنصراً في حزب الله، لا يملك أي شرعية لاجتياز الحدود إلى داخل إسرائيل، أو إطلاق النار عليها، من دون موافقة صريحة من الحكومة اللبنانية.
أمّا إسرائيل، فمن خلال إعلانها الاعتراف بسيادة لبنان، فإنها تصرّح عملياً بأنها ستخلي المنطقة وتنسحب إلى الحدود الدولية متى زال التهديد الذي يمثله الجنوب اللبناني على أمنها، وستكون مستعدة للبحث في النقاط الثلاث عشرة المختلف عليها بين البلدين على طول الحدود مع الحكومة اللبنانية. صحيح أن هذا لا يعني قيام سلام، أو تطبيع بين الدولتين، لكن عندما تعلن الدولتان أن كلاً منهما تحترم سيادة الأُخرى، فإن هذه الخطوة هي الأولى نحو إنهاء حالة الحرب.
المطلب الإيراني والشرط الإسرائيلي
أمّا المبدأ الثاني، وربما الأكثر أهميةً في هذه المرحلة، فهو أن انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني مشروط بعدم عودة حزب الله إلى المنطقة، وبنزع سلاح هذا الحزب «الإرهابي». وإذا لم تُنزع أسلحة حزب الله الثقيلة والخفيفة من المنطقة، فإن لإسرائيل، وفق هذا التصور، شرعية الاستمرار في الاحتفاظ بالمنطقة الأمنية التي تسيطر عليها حالياً.
تطالب إيران بانسحاب إسرائيل من لبنان، كشرط لموافقتها على توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة؛ أمّا في الاتفاق بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، وبرعاية أميركية صريحة من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فإن إسرائيل ولبنان يوجّهان معاً رسالة إلى إيران، مفادها بأن لبنان ليس شأنك، فلا تتدخلي في أمورٍ لا تخصك. وهذا يتعارض تماماً مع المسعى الإيراني لإعادة لبنان وحزب الله إلى وضع الوكيل الإيراني الكامل. وهو فصل واضح بين الساحات ينسجم مع السياسة الإسرائيلية ويتناقض مع ما تحاول إيران تحقيقه.
أمّا المبدأ الثالث، فهو أن انسحاب إسرائيل من المنطقة الأمنية الواقعة في جنوب الخط الأزرق وشرقه ليس انسحاباً تلقائياً، بل هو مشروط بأداء الجيش اللبناني، وبأداء الجهة الأميركية المشرفة التي ستراقب نزع السلاح في الجيوب وتُصادق على التنفيذ، فضلاً عن الآلية العامة التي ستُقام للإشراف على مجمل العملية.
وبمعنى آخر، فإن إسرائيل لا تلتزم، لا من حيث المبدأ، ولا من الناحية العملية، الانسحاب من المنطقة الأمنية التي تسيطر عليها في الجنوب اللبناني حالياً، بل إن الأمر يمثل عملية مشروطة قد تُشكّل أيضاً سابقة ونموذجاً لِما يمكن أن يحدث لاحقاً في غزة، وربما في سورية أيضاً.
وبموجب هذا الاتفاق، يفقد حزب الله الشرعية التي يدّعيها لنفسه، باعتباره «حامي لبنان»، لأن الحكومة اللبنانية ذات السيادة تقول له عملياً: أنت الجهة التي تعرقل عودة نحو مليون شيعي إلى قراهم، وأنت المسؤول عن الخراب والدمار الذي لحِق بها. علاوةً على ذلك، فإن الميزة الكبرى للاتفاق تتمثل في أن الولايات المتحدة تقدم للبنان حافزاً مالياً قدره130 مليون دولار، موزعة على 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية و30 مليون دولار كمساعدات عسكرية. وبالمقاييس اللبنانية، نظراً إلى الحاجة الماسة إلى إعادة الإعمار، لا يُعد هذا المبلغ قليلاً. صحيح أن لبنان يحتاج إلى مليارات الدولارات، لكن هذا الحافز يمنحه منذ الآن مصلحة اقتصادية في تنفيذ الاتفاق، وليس فقط مصلحة سياسية وأمنية.
إلى هنا ينتهي مديح الاتفاق. فأنا ما زلت أذكر جيداً كيف كنت في سنة 1983 أغطّي من بيروت توقيع اتفاق سلام بين إسرائيل ولبنان، بعد مفاوضات أجراها المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية آنذاك ديفيد كمحي، مع الحاكم اللبناني من عائلة الجميل، الذي خلف شقيقه بشير بعد اغتياله.
ذلك الاتفاق لم توافق عليه الحكومة اللبنانية قط، ولم يصادق عليه البرلمان اللبناني، حسبما أذكر، ولم تُصادق عليه الحكومة الإسرائيلية أيضاً. وظل مجرد ورقة لا أكثر، حتى إن قلةً قليلة تتذكر اليوم أنه كان هناك اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل.
وكذلك فإن قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701، الذي أنهى حرب لبنان الثانية [2006]، بقيَ إلى حدٍّ كبير حبراً على ورق. وربما يحدث هذه المرة شيء مختلف، بفضل الانخراط المباشر للولايات المتحدة. لكن من الأفضل في الوقت الراهن خفض سقف التوقعات وانتظار ما ستكشفه الأيام، ولا سيما ما إذا كانت الحكومتان الإسرائيلية واللبنانية ستنجحان في تحويل هذا الاتفاق المبدئي إلى واقع عملي.
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية