ما يجري في لبنان ليس "تصعيدًا” ولا "تطورًا ميدانيًا”، بل هو انتهاك ممنهج لكل ما يُفترض أن يمثّله النظام الدولي من قوانين وقيم. الدم اللبناني لم يعد نتيجة جانبية لصراع، بل أصبح جزءًا من معادلة تُدار بوعي، حيث تُمنح بعض الدول حق القتل تحت مظلّة قانونية مفصّلة على قياس مصالحها.
القانون الدولي، بصيغته الحالية، لم يفشل فقط—بل تم توظيفه. يُستخدم بانتقائية فاضحة: يُستدعى حين يخدم النفوذ، ويُغيَّب حين يهدد السرديات المهيمنة. وهكذا، تحوّل من أداة حماية إلى أداة تبرير، ومن مرجعية للعدالة إلى غطاء لانتهاكها.
الأخطر، أن ما يحدث لم يعد محصورًا في استهداف المدنيين، بل امتدّ إلى استهداف الصحفيين—أي شهود الحقيقة—في محاولة واضحة لإسكات الرواية التي لا يمكن السيطرة عليها. كما طالت الضربات عناصر من الجيش اللبناني الذين يقومون بواجبهم الوطني. إن استهداف من يوثّق، ومن يحمي، ليس تفصيلًا ميدانيًا، بل مؤشر خطير على نية كسر كل ما تبقّى من بنية الدولة ومنع أي إمكانية للمساءلة.
هذه ليست أخطاء عملياتية، بل نمط متكرر يرقى إلى انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. ومع ذلك، يصرّ المجتمع الدولي على التعامل معه ببيانات باردة، تُفرغ الجرائم من معناها، وتُعيد إنتاجها تحت مسميات دبلوماسية مريحة.
إن ما نشهده اليوم هو انهيار للمعايير، حيث يُعاد تعريف الإنسان وفق موقعه الجغرافي، وتُقاس قيمة حياته بميزان المصالح. وفي هذا السياق، يصبح الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤًا، وتصبح اللغة الرمادية شريكًا في الجريمة.
لبنان اليوم ليس فقط ضحية عدوان، بل ضحية نظام دولي يسمح باستمرار هذا العدوان دون محاسبة. وهذا يطرح سؤالًا مباشرًا: ما قيمة القوانين الدولية إذا كانت تُطبّق انتقائيًا؟ وما معنى العدالة إذا كانت خاضعة لموازين القوى؟
هذا ليس نداءً عاطفيًا، بل مطالبة واضحة: بتطبيق القانون الدولي دون استثناء،
بحماية الصحفيين كحماة للحقيقة،
وبوقف استهداف المدنيين والمؤسسات الوطنية، وعلى رأسها الجيش اللبناني.
لأن استمرار هذا النهج لا يهدد لبنان فقط، بل يقوّض ما تبقّى من مصداقية للنظام الدولي نفسه.
والتاريخ، كما أثبت دائمًا، لا ينسى—بل يُدين.
خلود وتار قاسم