بيروت - لبنان

اخر الأخبار

29 أيلول 2025 12:00ص مأساة تجسِّد أزمة وطن

حجم الخط
سألتُ السائق الجديد، بدافع فضولي المعتاد، عن أحواله.
ابتسم بهدوء وقال: «عندي ولدان، والحمد لله.»
تابعت: «أين تسكن؟»
أجاب: «في حارة حريك.»
فسألته: «إن شاء الله لم تتضرروا بالحرب؟»
صمت قليلًا ثم قال بنبرة مكسورة:
«راح نصف البيت… لكن قلنا الحمد لله. عندنا بيت في الخيام وضعنا فيه نصف جنى العمر، بعدما سرقت المصارف النصف الآخر. عملتُ في الخارج كل حياتي لأؤمّن لعائلتي مستقبلًا، فخسرنا في المصارف، ثم جاء العدو الغاشم ليقصف البيت في الخيام… فيمسح التاريخ، ويدمّر الحاضر، ويقضي على المستقبل. ومع ذلك، أقول الحمد الله… أنا وعائلتي بخير.»
هذه ليست قصة فردية عابرة. إنها قصة كل لبناني حوصر بين فساد الداخل وعدوان الخارج. بين دولة نهبت مدخراته باسم المصارف والسرية المصرفية، وعدو لا يتوانى عن قصف البيوت ومسح القرى. إنها شهادة تختصر عقودًا من المعاناة المتراكمة، حيث يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة المجهول.
بلدٌ يكسر أبناءه ثم يطلب منهم الصمود.
ماذا يمكن أن نقول لهذا اللبناني الذي يحاول أن يستجمع قواه في كل مرة يكسِره القدر في هذا البلد المنكوب؟ كيف يمكن لإنسان أن يواصل حياته وهو يرى تعب العمر ينهار أمامه مرة بالسرقة ومرة بالقصف؟
في وطنٍ يُمنع عليك أن تعترض على من يعتدي على أرضك، وعرضك، وكرامتك، ومالك، وحتى على وجودك ذاته… تُصبح النجاة فعل مقاومة يومي. فما بالك بمن فقد أهله وأولاده؟!
هذه المآسي لا تعرف طائفة ولا منطقة. قد تصيب أي بيت، أي عائلة، أي طفل. ليست حكرًا على الجنوب أو الضاحية أو أي مكان آخر. في لبنان، لا أحد في مأمن، لا من جشع الداخل ولا من غدر الخارج.
أسئلة معلّقة في الهواء
هل هناك من يسمع؟
هل هناك من يشعر ويتعاطف؟
هل هناك من يجرؤ أن يعترف بأن الناس في هذا البلد لم يعودوا يملكون سوى «الحمد لله» كسلاح أخير أمام الانكسارات المتكررة؟
كلمة أخيرة
قصة السائق ليست حكاية شخصية، بل هي مرآة لأزمة وطن تُرك ليتفكك على مرأى العالم. أن نصغي إليه هو بداية وعي، وأن نتحدث عنه هو واجب وطني وأخلاقي، لكن أن نتحرك لإنقاذ أمثاله هو الامتحان الحقيقي لضميرنا الجماعي.

خلود وتار قاسم