خرج مجلس الوزراء من الجلسة الماراتونية أمس منتصراً لدولة القانون، لا لسطوة "الدويلة"، متخطياً "قطوع" علّه الأخطر في مسار الحكومة منذ تشكيلها. ففي لحظة سياسية مشحونة، وبين أصوات الإستفزاز والتحريض، ومحاولات فرض الأمر الواقع، قرّر المجلس أن يقول كلمته بوضوح: لا أحد فوق الدولة، ولا سلاح خارج شرعيتها، ولا جمعية محميّة، ولا جهة محصّنة من المساءلة.
التقرير الذي قدّمه قائد الجيش عن الخطوات المتقدمة في تنفيذ قرار حصرية السلاح بيد الدولة، شكّل محوراً مفصلياً في الجلسة التي طالت على مدى أربع ساعات. فالمعركة لم تعد معركة رمزية، بل معركة وجودية بين من يريد دولة القانون، ومن يصرّ على إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للسلاح المتفلّت والسلطة الموازية. كان الموقف حاسماً: لا ازدواجية بعد اليوم، ولا تهاون في إعادة الاعتبار للمؤسسات العسكرية والأمنية كمرجع وحيد في الأمن والدفاع.
أما في ملف تظاهرة الروشة وتعليق ترخيص جمعية "رسالات"، فقد وضع مجلس الوزراء النقاط على الحروف بحكمة لا تنقصها الشجاعة. فبدلاً من الرضوخ للابتزاز السياسي، قرّر أن يواجه الحملات المغرضة بحزم وهدوء. التحقيقات القضائية ستُستكمل بلا تدخل، والجمعية ستبقى تحت المجهر ونشاطها معلقاً إلى حين صدور النتائج النهائية للتحقيقات الناشطة. اقتراح وزير الداخلية بسحب الترخيص كان رسالة تحذير قوية، مفادها أن الدولة لن تقف متفرجة على من يتجاوز القوانين تحت شعارات دينية أو حزبية.
ولئن حاول بعض نواب حزب الله خارج الجلسة الاستفزاز بعبارات من قبيل «بلّوا قراراتكم واشربوا ميتها»، فإن الرد جاء سريعاً وعملياً هذه المرة: الدولة لم تبلع لسانها، بل رفعت صوتها دفاعاً عن هيبتها. لقد استعاد مجلس الوزراء شيئاً من ثقة اللبنانيين بدولة تحاول إستعادة حضورها، والنهوض وسط ركام الانقسامات، ووجّه إشارة إلى أن زمن الخضوع لابتزاز السلاح قد ولّى .
إنها خطوة صغيرة في طريق طويلة، لكنها مهمة وضرورية لإعادة التوازن إلى المعادلة الوطنية: فإمّا دولة تحكم الجميع، وتفرض شرعية القانون والعدالة والمساواة على مواطنيها، أو فوضى يلتهم فيها السلاح كل ما تبقّى من مقومات الدولة ويهدد مصير الوطن.
مجلس الوزراء قال كلمته، والعبرة في من يجرؤ على تحويل هذه الكلمة إلى نهج دائم، لا إلى استثناء عابر في جمهورية تبحث، منذ عقود، عن نفسها!