أصدر المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم العدد رقم (51) من نشرة (فتوى تريندز)، الذي يسلِّط الضوء على خريطة الفتاوى والموضوعات الدينية الأكثر تداولاً وتأثيراً في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي خلال الشهر.
وقد كشف هذا العدد من النشرة عن مشهد ديني وإفتائي بالغ الثراء والتنوّع، حيث تصدّرت القضايا الجدلية ذات الأبعاد الاجتماعية والثقافية والإعلامية قائمة الموضوعات الأكثر تداولاً، بالتوازي مع تصاعد الاهتمام بالتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي ومخاطر الفضاء الإلكتروني، فضلاً عن استمرار حضور القضايا المرتبطة بالشعائر الدينية الموسمية والفتاوى الاقتصادية المعاصرة، والتحديات الفكرية والمجتمعية التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية.
فتوى تحريم المراهنات الإلكترونية
واحتلت فتوى دار الإفتاء المصرية بتحريم المراهنات الإلكترونية وتطبيقات القمار الرقمي المرتبة الثالثة محليًّا بنسبة (15%) من إجمالي تريندات الفتاوى والموضوعات الدينية التي أحدثت تفاعلاً وصدًى على وسائل التواصل، وأظهر تحليل البيانات تجاه تلك الفتوى نجاحاً منقطع النظير لدار الإفتاء؛ إذ حظي بيانها بتفاعل إيجابي ومؤيد واسع بلغت نسبته نحو (74%) من إجمالي التفاعلات الجماهيرية والشعبية، وبرهنت الفتوى على قدرة دار الإفتاء على الاشتباك السريع والفعال مع مستجدات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي من جهة، وحماية الشباب والأسرة من الإدمان السلوكي والخسائر المالية المحرّمة من جهة أخرى.
كما سلَّطت نشرة «تريندز» الضوء على تنامي اهتمام المؤسسات الدينية بالقضايا المجتمعية والسلوكية المستجدة، ومن أبرزها التحذير من انتشار مقاطع مصورة بين بعض المراهقين تتضمن تناول أدوية منومة بغرض تحقيق المشاهدات والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، وهي الظاهرة التي أثارت حالة من القلق المجتمعي الواسع، وشهدت تفاعلاً كبيراً من جهات دينية وطبية ونفسية وأسرية، بما يؤكد اتساع دور المؤسسات الدينية في رصد الظواهر المجتمعية والتوعية بمخاطرها.
وفي الإطار ذاته، تناولت النشرة عدداً من القضايا ذات الطابع التنظيمي والإرشادي، من بينها التأكيد على عدم جواز ذبح الأضاحي في الشوارع حفاظاً على النظام العام والصحة العامة، إضافة إلى الجدل المرتبط بعمليات التجميل وضوابطها الشرعية، وهي موضوعات وإن جاءت بمعدلات تفاعل أقل من القضايا الجدلية، إلّا أنها عكست تزايد الوعي المجتمعي بالقضايا المرتبطة بالسلوك الحضاري والبيئة والصحة العامة.
التريندات العربية
وعلى المستوى العربي والخليجي، أظهرت النشرة تنوّعاً ملحوظاً في القضايا والفتاوى المتداولة، واستحوذت تريندات الموضوعات والقضايا على نحو (65%) من إجمالي التريندات، مقابل (35%) فقط لتريندات الفتاوى، بما يعكس تحوّلاً ملحوظاً في اهتمامات الجمهور الرقمي من البحث عن الأحكام الشرعية المباشرة إلى التفاعل مع القضايا الدينية ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية والفكرية والمؤسسية.
وجاءت المملكة العربية السعودية في صدارة قائمة الدول الأكثر حضوراً في تريندات الفتاوى والموضوعات الدينية على مستوى النطاق العربي والخليجي بنسبة بلغت (37%)، حيث تصدّرت الفتاوى المرتبطة بموسم الحج وعشر ذي الحجة المشهد، إلى جانب التفاعل مع تحذيرات وزارة الشؤون الإسلامية من مخاطر توظيف الذكاء الاصطناعي في نشر الفتاوى المضللة، فضلاً عن المبادرات الداعية إلى تعزيز الوسطية ومواجهة خطاب الكراهية.
وفي ليبيا، تصدّرت فتاوى المعاملات المالية الحديثة المشهد، وعلى رأسها الأحكام الشرعية المتعلقة ببيع الفضة عبر الإنترنت وضوابط التقابض الإلكتروني، أما في سوريا، فتداخلت القضايا الإفتائية مع الملفات المجتمعية والسياسية، حيث شهدت الساحة الدينية تفاعلاً مع مبادرات تعزيز السلم الأهلي ووحدة الخطاب الإسلامي، إلى جانب الجدل حول بعض الفتاوى المرتبطة بالأضحية. وفي قطر، برز اهتمام واسع بإطلاق خدمات دينية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لدعم الحجاج عبر تطبيقات التواصل الحديثة.
وفي تونس، استحوذت الفتاوى المرتبطة بالأضحية والاستطاعة الشرعية في ظل ارتفاع الأسعار على جانب كبير من النقاشات، إلى جانب الجدل حول قضايا المرأة ودورها المجتمعي، كما رصدت النشرة تفاعلاً واسعاً في الأردن مع الفتاوى المتعلقة بأفضلية الأضحية على التصدق بثمنها، بينما شهدت فلسطين نقاشات موسعة حول بعض الرخص الفقهية المرتبطة بمناسك الحج، وخاصة مسألة رمي الجمرات قبل الزوال للحجاج المتعجلين.
وفي السودان، برزت فتاوى جواز شراء الأضحية بالتقسيط وصيام قضاء رمضان خلال الأيام الأولى من ذي الحجة، في حين تصدرت في الإمارات النقاشات المرتبطة بضرورة إصدار فتاوى تواكب متغيّرات العصر، إلى جانب التفاعل مع قضايا الخطاب الديني وعلاقته بالتطورات الإقليمية، وتعكس هذه التريندات مجتمعة اتساع نطاق القضايا الدينية المتداولة عربيًّا، وانتقال الاهتمام من المسائل الفقهية التقليدية إلى قضايا أكثر ارتباطاً بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية التي تشهدها المجتمعات العربية.
الحريات الدينية أبرز القضايا دوليًّا
وعلى المستوى الدولي، رصدت النشرة استمرار تصدر القضايا المرتبطة بالهوية الدينية والتعايش المجتمعي وحقوق المسلمين في المجتمعات الغربية قائمة التريندات الدينية الأكثر تداولاً، حيث شهدت عدة دول أوروبية تفاعلات واسعة مع قضايا حرية ممارسة الشعائر الدينية وحماية الرموز والمقدسات الدينية من خطاب الكراهية والاستهداف المتكرر، كما برزت نقاشات واسعة حول تزايد مظاهر الإسلاموفوبيا وخطابات اليمين المتطرف في بعض الدول، وما تفرضه من تحديات أمام جهود الاندماج المجتمعي وتعزيز ثقافة التعددية وقبول الآخر.
وقد تجدّدت المخاوف الأمنية عقب حادثة الاعتداء برذاذ الفلفل على مصلين داخل مسجد بحي «غيزوندبرونن» في برلين من قِبل شخصين قاما بتوثيق الاعتداء عبر نظارة مصورة، مما يبرز الحاجة لجهود دولية أوسع لمواجهة خطاب الكراهية.
كما رصدت النشرة تفاعلاً لافتاً مع المبادرات والقرارات الرامية إلى حماية الحريات الدينية وتعزيز احترام التنوّع الثقافي والديني، إلى جانب الاهتمام المتزايد بتوفير الخدمات والمرافق الملائمة للمسلمين داخل المؤسسات العامة، بما يعكس تنامي الاعتراف بالاحتياجات الدينية للمجتمعات المسلمة في عدد من الدول الغربية.
وشهدت الساحة الدولية كذلك نقاشات متعلقة بأمن دور العبادة وحمايتها في ظل تكرار بعض الحوادث ذات الدوافع الدينية، وما ترتب عليها من دعوات لتعزيز التشريعات والإجراءات الوقائية لمواجهة جرائم الكراهية.
أبرز توصيات النشرة
واختتمت النشرة بعددٍ من التوصيات والمقترحات، في مقدمتها ضرورة مواصلة تطوير أدوات الخطاب الديني الرقمي بما يتناسب مع أنماط التلقّي الحديثة على منصات التواصل الاجتماعي، وتعزيز الحضور المؤسسي للجهات الإفتائية في معالجة القضايا المستجدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية، كما أوصت النشرة بتكثيف برامج التوعية بمخاطر المراهنات الإلكترونية والإدمان الرقمي، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والإعلامية والتربوية لمواجهة الظواهر السلوكية السلبية بين الشباب.
في حين دعت النشرة إلى دعم المحتوى الديني الرصين القادر على منافسة المحتوى المثير للجدل، وترسيخ ثقافة التحقق والتثبت قبل تداول الفتاوى أو التعليق عليها، بما يسهم في ضبط المشهد الإفتائي وتعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ قيم الاعتدال والتعايش والاستقرار المجتمعي.
وأخيراً أكدت النشرة أن الرصد الدوري للتريندات الإفتائية والدينية يمثل أداة مهمة لاستشراف اتجاهات الرأي العام، ودعم صانعي القرار والمؤسسات الدينية والإعلامية في التعامل مع القضايا المستجدة، بما يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ قيم الاعتدال والتعايش والاستقرار.