الهجرة النّبويّة: تاريخ محمّل بالمعاني والعبر
حجم الخط
{إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
في أوّل شهر محرّم، نستقبل سنة هجريّة جديدة، هي السنة الألف والأربعمائة والأربعون للهجرة. ونحن بأمسّ الحاجة إلى التذكير؛ تذكير أنفسنا وأجيالنا ومجتمعنا، بالسنة الهجرية، لأنّ الكثير منا، مع الأسف، لا يعرفون السَّنة الهجريَّة، أو هم غافلون عنها.
قد يكون الطرح غير واقعيّ اليوم ليصار الى العمل بالتقويم الهجري وحده على مستوى واسع وشامل، نتيجة غياب أو ضعف القرار في الدول الإسلاميّة من جهة، ومن جهة أخرى، نتيجة التّداخل القويّ الحاصل اليوم بين شعوب العالم، وتأثرنا بالثقافة الغالبة في التعاملات، فضلاً عن أسباب أخرى عديدة. ولكن، هل هذا يعني أن نتنكّر للتاريخ الهجري، ونعتبره من الماضي أو نسقطه من التّداول، ونعتمد عليه موسميّاً فقط لنعدّ أيّام الحجّ ورمضان؟!
الواقع أن المسألة أبعد من مسألة التّوقيت، ما يفرض علينا اعتماده متى استطعنا إلى ذلك سبيلاً: مثلاً تأريخ الولادات والزّواج والوفيّات والمعاملات الشخصيّة والداخليّة... ففي ذلك كلّ البركة والأصالة، لأنّ التاريخ بالهجري ليس مجرد توقيت زمني، إنما هو محمّل بالمعاني والذّخائر، هو خطّ زمني يوصلك بتلك المحطة التي شكّلت منعطفاً أساسياً في التاريخ الإسلامي، وفي حركة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وانطلاق الإسلام إلى العالم.
لحظات من زمن الهجرة
إنها الهجرة، هجرة رسول الله من مكّة أمّ القرى، إلى يثرب الّتي حملت اسم مدينة رسول الله أو المدينة المنوّرة، هذه الهجرة الّتي يجب أن ننظر إليها ليس فقط في لحظة خروج الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من مكّة، إنما أن ننظر إلى لحظة العودة إليها أيضاً. فلحظة الخروج وحدها قد تعدّ انكساراً، إنما الهجرة هي كلّ هذا، هي صورة متكاملة بين ظروف الهجرة وحدث الهجرة، وبين وصول الهجرة إلى خواتيمها بعودة الرّسول والمسلمين إليها ولو بعد ثماني سنوات.
وإذا نظرنا في ظروف خروج الرّسول من مكّة، ماذا نجد: المسلمون يخرجون سرّاً، وعلى دفعات متفرّقة، إلى المدينة، يتركون كلّ شيء وراءهم حتى لا يفتضح أمرهم: أمتعتهم وحاجياتهم... ينزل الوحي بأوان خروج رسول الله من مكّة، ويبيت عليّ في فراش الرّسول، فيما قريش تُشهر سيوف الحقد، وتنتظر الفجر، كي تسكت صوت محمد، هذا الّذي نكّد عليهم عيشهم بدعوته إلى العدل والمساواة.. ويُفاجأون بعليّ يُفسد عليهم مخطّطهم... ويبدأون فصلاً جديداً من مؤامرة الحقد. نعم، وصلوا فم الغار الّذي كان فيه الرّسول، وكانوا على قاب قوسين أو أدنى من الظّفر به، لكنّ الله موهنٌ كيدَ الكافرين.
هذه كانت لحظات من زمن الهجرة.
العودة الظّافرة
أمّا لحظات العودة، عودة رسول الله الى أحبّ الأمكنة إليه، إلى أقدس بقعة على الأرض، الّتي غادرها مُكرهاً، فكيف كانت؟
تخيّلوا أن يتمكّن المظلوم والمضطهد يوماً من مواجهة ظالمه، ماذا ترونه فاعلاً؟ سيفعل الكثير، وكنّا سنجد له مبرّراً في أن يفعل به بالمثل وأكثر.
لكنَّ رسول الله هو رسول الله، هو رحمة تمشي على الأرض، هو الخلق الكريم كلّه، هو الحلم والعفو والعطف، هو الصّفح الجميل، هو السموّ الإنسانيّ، هو كلّ شيء ما عدا الانتقام والثّأر. عاد( صلى الله عليه وسلم ) إلى مكّة في وضح النّهار، وأمام مرأى ومسمع كلّ قبائل الجزيرة العربيَّة، عاد مرفوع الجبين، مرهوب الجانب، تخفق الرّايات من حوله والتّهليلات، أمّا من آذوه، فلا شيء يشغلهم الآن سوى همّ واحد: ماذا سيفعل بهم، وأيّ مصير سيبادرهم به، وأيّ قرار سيتّخذه فيهم؟ لكن في هذه اللّحظة، هل كان قلب رسول الله يشغله ثـأر أو حقد أو انتقام؟! كان قلبه في موقع آخر، فما إن يصل باب الكعبة، حتى يحني رأسه ساجداً على قربوس فرسه، شاكراً حامداً، مسبّحاً مهلّلاً: لا إله الا الله وحده، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله...
لا مكان اليوم للانتقام الشخصي، ولا للثّأر ولا للعصبيّات ولردود الفعل.
سأله طغاة الأمس: ماذا أنت فاعل بنا؟
وكان قراره من دون تردّد نموذج السموّ الإنساني، والّذي سيظلّ يتردّد صداه في التّاريخ: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء».. ونردّد مع المسلمين {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.
الاستفادة من تجربة الرّسول( صلى الله عليه وسلم )
في مناسبة الهجرة، نحن مدعوّون لعرض مسيرتنا على مسيرة الرّسول وهجرته، مدعوّون لعرض تجربتنا على تجربة رسول الله في كلّ تفاصيلها...
إنّ كلّ الحركات والأحزاب الإسلاميّة مدعوّة في ذكرى الهجرة أن تعرض مشروعها وأساليبها على مشروع الرّسول وأساليبه، وعلى كلّ المشتغلين بالعمل الرسالي أن يحاكموا تجربتهم بعيون الهجرة.
وإذا نظرنا بمنظار تلك التّجربة النقيّة، فماذا نرى؟
نرى أنها تجربة نبويّة إنسانيّة نقيّة أصيلة، فمشروع رسول الله بعد الهجرة، لم يكن في أيّ يوم مشروع انتقام لظلم، أو تعويضاً عن معاناة تاريخيَّة، أو ردّ اعتبار أو هيمنة، إنما هو فعل عقيدة وإيمان. فالرَّسول عندما هاجر انطلق ليبني، انفتح واستفاد من التّجارب الإنسانيّة السّابقة والحضارات. لم يكن لدى رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) مشكلة في أن ينفتح على الآخر، مشروعه قام على البناء والتعليم والتربية، لم يكن للسّيف أو للعنف مكان فيه، إلا في إطار الدّفاع عن النّفس، أو حماية الحريّات.
الأمر الثّاني الّذي يجب أن نعرض أسلوبنا عليه، هو أسلوب نشر رسول الله للإسلام بين النَّاس، ليصل في نهاية المطاف إلى أن يدخل النّاس في دين الله أفواجاً. لقد كان الإسلام في المدينة مجسَّداً على أرض الواقع، ونموذجاً عمليّاً لكلّ من أراد أن يرى ثمرة الانتماء إلى الاسلام، فكان الداخل إلى المدينة يرى المودّة والتآخي والإيثار والتكافل الاجتماعي والتّسامح، يعني بعبارة أخرى، كان يرى صورة واقعيّة وليس نظريّة، لدين يتحرّك على الأرض، يرونه بأعينهم، ويستلذّون بحلاوته وجماليّته.
وهنا نضع يدنا على الجرح الّذي يؤلمنا؛ ألا نرى اليوم الفارق الكبير بين ما نقوله أو نعرفه عن الإسلام، وبين ما هو حاصل على الإرض والواقع؟! لهذا بات من مسلّماتنا أن نقول: الإسلام شيء والمسلمون شيء آخر.. التهينا بالنّظريَّات والشّعارات والشكليَّات والجماعات والتّقسيمات، وقسَّمنا المقسّم، ونسينا أنّ ما يمُارَس على الأرض باسم الإسلام، إن استمرّ في بشاعته وتنفيره، سيكون سبباً لخروج النّاس من الدّين أفواجاً..
الأمر الثّالث الّذي يجب أن نحاكمه اليوم انطلاقاً من تجربة رسول الله، هي علاقتنا مع من يختلف عنّا في الدّين أو العقيدة. لقد شكَّلت وثيقة المدينة أهمّ نصٍّ في تعايش الإسلام مع غيره من الدّيانات والأفكار، حيث كان لكلّ فرد الحريّة في أن يعبّر عن قناعاته وأفكاره وعباداته.
والتّعايش، أيّها الأحبّة، لم يكن في أيّ مرحلة من مراحل الرّسالة شرطه وحدة العقيدة والانتماء، إنما الشّرط كان احترام النظام، وعدم التعدّي، والحفاظ على المجتمع وسلامه الدّاخليّ، وعدم الاستقواء بأعداء الإسلام عليه (حرصاً على أمنه القوميّ). هذه هي كانت شروط التّعايش. أمّا كيف يتعبّد وكيف يفكّر وبماذا يؤمن، ولمن يتبع، لم يكن كلّ هذا في أيّ يوم سبباً للرفض والاقصاء. إنّ الرسول ـ أيّها الأحبَّة ـ لم يضيّق الدّائرة أبداً، فهي في المبدأ مفتوحة لكلّ البشر، بشرط الإنسانيّة، فيما نحن اليوم، تتسابق كلّ جماعة منّا في تضييق الدّائرة حول نفسها، وتغلق الباب وتمعن في إغلاقه حتى الاختناق. فأين نحن من رسول الله؟!
إنّ أسلوب رسول الله مع الآخر ومع المختلف، وأسلوب دعوته إلى الإسلام، كانت تحكمه الرّحمة والمحبّة والرّفق واللّين، لذلك ليس غريباً أن لا يسقط في كلّ حروب النبي سوى أربعمائة رجل. تصوّروا الرسالة كلّها لم تكلّف بحساب الخسائر البشريّة سوى 400 رجل على أبعد تقدير، رغم شدّة الصّراع وحجم النّتائج..
إنَّ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يكن ليستسهل الدَّم أبداً، دم أيّ كائن، وكانت القاعدة عنده أنَّ دم الإنسان عزيز، ولم يكن في قاموسه «أنّ الغاية تبرّر الوسيلة»، بل دعا إلى الغايات النّبيلة بوسائل نظيفة. أمّا اليوم في واقعنا الأليم ـ للأسف ـ فلا غايات ولا وسائل ولا بوصلة ولا أهداف...
هذه هي دروس الهجرة، هجرة اختتمت بإتمام المشروع واكمال الدّين، لكنّ المعاناة والألم والغربة، ما لبثت أن أطلّت برأسها، وإنّ رسول الله لو قُدِّر له أن يكون بيننا اليوم فسيكون غريباً، هو لن يتعرّف إلى أمّته، وسينكر على الكثيرين ادّعاءهم أنهم ينتمون إليه ويحملون اسمه، وسيتّهمهم بالتّزوير وسيشكوهم إلى الله.






