قال الدكتور شوقي علام - مفتي مصر ورئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم: «الفقهُ الإسلاميُّ مثَّل نسقاً معرفيًّا فريداً له محدَّداته المنهجيَّة الواضحة، صنع من خلاله المجتمع الإسلامي منظومتَه القانونية والحقوقية بشمولية، استغرقت جميعَ معارف العصر وعلومه المتاحة».
وأضاف أن الفقه الإسلامي استطاع تلبية الحاجات المنوطة به للأمة الإسلامية على مدار قرون متعاقبة أثبت فيها ثراءه وقدرته على التفاعل مع المتغيّرات المحيطة، كما عبّر عن امتزاج الأحكام الشرعية وتداخلها مع المعارف والعلوم الإنسانية والطبيعية، ليس ذلك فحسب بل مع الظروف والتغيّرات الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية.
جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها في افتتاح الدورة التدريبية لكبار علماء الهند، والتي انعقدت بأكاديمية الأوقاف الدولية بالقاهرة بمدينة السادس من أكتوبر مؤخرا.
وقد أوضح علام أن الفقه يعكس فلسفة الإسلام في التأسيس لمبدأ التعدد والاختلاف، تلك الفلسفة التي ظهرت تجلياتها في ذلك التنوُّع الذي لازم الفقه الإسلامي في كافة أطواره منذ التأسيس إلى استقرار المذاهب المعتمدة، وجسَّد حجم المرونة التي يتسم بها الفقه، مشيرا إلى أن ذلك التنوع الفقهي والمرونة لدى الفقهاء في استنباط الأحكام وَفق المتغيّرات كان سبباً مباشراً في قدرة الفقه الإسلامي على سدِّ الاحتياج المعرفي الشرعي لدى أبناء الأمة.
وبيَّن ظهورَ هذا التنوع والمرونة في فهم الصحابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»؛ فاختلفوا في تطبيق النص، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأقرّ الجميع. وكذا اختلافهم في أسرى بدر، وفي غنائمها.
أزمتنا في كيفية التعامل مع الفقه
وقال علام: «إن أزمتنا الحالية لا يمكن أن تكون في الفقه الإسلامي ذاته، كما يظن البعض خطأً أو جهلاً، وإنما الأزمة تكمن في التعامل مع الجانبِ الظَّرفي الذي يطبَّق في حدودِه ذلك التنظير، فقد برزت قدرة الفقه الإسلامي قديماً على التفاعل مع كافة النوازل، ومع القصور الذي حدث عند بعض العقول الآن من العجز وخطأ تكييف النوازل المعاصرة».
وأكَّد أن التجديد ومراعاة المتغيّرات، وما يطرأ على أحوال الناس وأفكارهم ومعايشهم وعاداتهم، وتحقيق مقاصد الشرع، كل ذلك أثَّر تأثيراً بالغاً في قضايا الفقه الإسلامي، وهو ما ظهر في صِيَغ العقود والأوقاف، وطرق القضاء الشرعي التي تطوَّرت حتى صارت إلى ما هي عليه الآن، فجميع القوانين المعاصرة التي نحيا بها الآن ونتحاكم إليها قد استفادت بشكل كبير من طرق التقعيد والتقنين في العلوم الشرعية، ومن النظريات الفقهية والأصولية التي أسَّسها علماؤنا الأوائل.
وبيَّن علام أن مراعاة المقاصد الشَّرعية والأصول الكلية والنظر إلى المآلات في سائر التصرفات كان منهجاً واضحاً مطرداً يساعدُ على معرفة الحكم المناسب للواقع، وتجاوز ما لم يعُد ملائماً وإن كان موروثاً.
وضرب مثالاً بجمع القرآن في عهد سيدنا أبي بكر، وكتابته في المصحف الإمام في عهد عثمان، والمقصد هو حفظ دستور الدولة الناشئة، والمنبع الأول لهدي العالم وصلاحه، والمصدر الأساس للتشريع والنظام والقانون.
وكذلك عدم إقامة حد السرقة عام المجاعة؛ وذلك لما رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عدم استيفاء الشروط الضرورية الباعثة على التطبيق، والتي منها شبهة المجاعة المُلجِئَة إلى أخذ حق الغير دون إذن منه للضرورة، والمقصد هو الرفق والتخفيف بمن اضطُرَّ إلى السرقة دون اختيارٍ منه، ومراعاة ظروف تطبيق الحكم كي يحقق أغراضه وفوائده.
وأضاف أنه على الفقيه أن تكون لديه رؤية واعية لظروف العالَم حولَه، وإدراكُ متغيراتِه بدقةٍ وعُمق، واعتبارُ العُرْفِ عنصراً مؤثراً في الأحكام الشرعية، فذلك العرف ما هو إلا إدراكٌ من الفقيه لما يحدث حوله، وفهمٌ لما ينتاب حياةَ الناس الاجتماعيةَ من تغيُّرٍ مستمر تجب مراعاته، ومن ثم قدرته على مواكبته والتعامل مع نوازله وحوادثه، ولذلك تقرَّر في قواعد الشريعة مبدأ: (العادة مُحَكَّمَة)، وفي تقريره قبلَ ذلِك وردَ قولُه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199].
إدراك الواقع ومتغيّراته من أركان التجديد
وأوضح أن اعتبار العاداتِ والأعراف كان نافذةَ الفقهِ الإسلامي للتفاعل مع العالَم، وضامناًِِ للمرونة الفقهية التي تساعد الفقه على التجاوب والتجديد وَفقاً للسياق الاجتماعي والتاريخي والظرف الراهن بوجه عام؛ فإدراك الواقع وفهم تطوراته ومتغيّراته ركن ركين من أركان التجديد والاجتهاد، ولن تثمر أية جهود للتطوير والتجديد ثمرة حقيقية إلا بدراسة الواقع، والتعمقِ في علومه، وفَهمِ تفاصيله، ومراعاةِ ما يطرأُ على أعرافِ الناسِ وثقافاتِهم من تغييرٍ إيجابيٍّ أو سلبي.
وأكَّد أن استقرار الأقطار الإسلامية هو مبدأ وحدة هذه الأمة؛ لأنَّ الاستقرار يمثل إحدى الدعائم التي ترتكز عليها عمليَّات التنمية والنهضة في أيِّ بلدٍ، فلا نهضة بلا استقرار، والمرونة الفقهية والتنوع يمكن استثماره بشكل إيجابي في دعم الاستقرار أيضاً، وإنجاز العديد من الخطوات في طريق تحقيق الاستقرار المجتمعي، لا سيَّما الاستقرار الأُسري؛ وذلك من خلال ما يتعلَّق بمسائل الزواج والطلاق والرَّضاع والحضانة والنفقات، ونحو ذلك من مسائل الأحوال الشخصية، فإن المؤسسات التشريعية والقانونية والقضائية من الممكن لها الاستفادة من الجانب التشريعي الفقهي الغزير بفضل اختلاف الآراء الفقهية في اختيار أفضل الأقوال من حيث تحقيق المصالح، ودفع المضار بما يحفظ حقوق المرأة والطفل على وجه الخصوص، وبما يضمن تحقيق الاستقرار والتماسك المجتمعي.
ولفت النظر إلى أنه يمكن للإدارة الفقهية المرنة أن تكون أداةً لحلِّ الكثير من المشكلات المعاصرة التي تواجه المجتمعات الإسلامية في كافة المجالات، كمسألة حماية المستهلِك، والرقابة على السوق، فقضية التسعير مثلاً يرى الحنفية والمالكية أنها من باب السياسات الشرعية، حيث يعود البتُّ فيها إلى السلطة الحاكمة في الدولة الإسلامية، ويُرجَع فيه إلى مراعاة المصلحة، وتقديم المصلحة العامَّة على المصلحة الخاصَّة.
وقال: «إن أبرز التحديات التي تواجه الأُمَّة العربية والإسلامية هو كيف يمكن لها إنتاج وقود التحول الحضاري إنتاجاً إسلاميًّا خالصاً من قلب الموروث الحضاري الإسلامي وبهويَّة مميِّزة للأُمَّة، وهنا يأتي دَور المرونة الفقهية في استيعاب الأنماط الحضارية المعاصرة، والمحافظة على أصالة المنتَج الحضاري الإسلامي».
فقه الأوليات
وأضاف أنَّ من مبادئ الشريعة قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، وقوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، حيث تعامل الرسول مع غير المسلمين، وجعل من عبد الله بن أريقط دليلَه في رحلة الهجرة، وتعايش النبي مع اليهود في المدينة.
وأشار إلى أن فقه الأقليات يعمل على تحقيق معادلة صعبة انطلاقاً من مبادئ الفقه الإسلامي المرنة، حيث يسعى فقه الأقليات للتعامل مع جملة من الإشكاليات المعاصرة التي تواجه المسلمين المقيمين في بلاد غير إسلامية، ويستند إلى مجموعة من القواعد المرنة التي ساهمت في حل العديد من تلك المشكلات.
وأوضح المفتي علام أن انضباط فقه النوازل والحوادث في تحقيق مصلحة المستفتي بعيداً عن التحزب المذهبي أمر لا بدَّ منه اليوم، امتثالاً لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، مشيراً إلى أنه عند معالجة قضايا الناس يجب أن نبحث عن الاجتهاد بما يُيَسِّر عليهم، وهذا هو المراد من التشريع، حيث قال الله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعِثتم مُيَسِّرِين، ولم تُبْعَثوا مُعَسِّرِين»، وجلب المصلحة ودرء المفسدة هو عنوان الشريعة الإسلامية.
وحذَّر من التعصب مؤكِّداً أنه يدفع في اتجاه الجمود ويحول دون التفاعل الصحيح مع النوازل والقضايا المعاصرة، وأن بعض الفتاوى ينبغي أن تظلَّ حبيسةَ زمنِها، وعلينا أن نلجَأَ إلى المناهج والأصول التي انطلقت منها تلك الفتاوى في زمانها مع مراعاة تغيّر الزمن وتحرّك العقل الفقهي لإستيعاب الحالة بصورة منضبطة، وإصدار الحكم المناسب لها بفهم رشيد للنصِّ الشرعيِّ أو المقصدِ المَرْعِيِّ.
وأضاف أنه علينا التفرقة بين الاجتهاد البشري وبين النص، وضرورة العلم بأن الاجتهاد البشري مظنة الخطأ والصواب، فالنوازل المعاصرة تحتاج إلى رؤية عميقة بعيدة عن التمسُّك بظاهر كلام الفقهاء والعلماء الذين تكلموا في ظل ظروف مغايرة تماماً.
وفي الختام، أكَّد أن الاجتهاد الجماعي والفتوى المؤسسية إحدى الضمانات لتلبية احتياجات المسلم في شتى بقاع الأرض حول الأحكام المتعلقة بالنوازل؛ لأن الاجتهاد الجماعي يتيح الفرصة للتكامل بين العلوم في تكييف المسائل المعاصرة واستنباط الأحكام الشرعية المناسبة.