في السادس عشر من أيار 1989، خسر لبنان واحداً من أبرز رموز الاعتدال والحكمة والوحدة الوطنية: الشهيد مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد، الذي شكّل على مدى أكثر من عقدين مرجعية دينية ووطنية جامعة للبنانيين، وخصوصاً لأهل السنّة.
منذ توليه منصب الإفتاء في 21 كانون الأول 1966 وحتى استشهاده، لم يكن الشيخ حسن خالد مجرد مفتٍ للطائفة السنية، بل كان صوتاً وطنياً يدافع عن وحدة لبنان، والعيش المشترك بين أبنائه، وهويته العربية، في مواجهة مشاريع التقسيم والهيمنة والتبعية.
وخلال سنوات الحرب الأهلية، برز المفتي خالد كأحد أبرز دعاة الاعتدال والحوار في زمن الانقسام الحاد والاستقطاب الطائفي. وتمسّك بخيار الدولة ومؤسساتها الشرعية، رافضاً منطق الميليشيات والدويلات، ومؤكداً أن استقرار لبنان لا يكون إلا بالشراكة الوطنية الكاملة بين المسلمين والمسيحيين.
ولم تكن عظمة المفتي خالد مستمدة من بروتوكولات المنصب فحسب، بل من قربه العفوي من الناس، فكان «مفتي الفقراء» الذي لم يغلِق الأبواب في وجه أحد. شوهد مراراً وهو يتفقد أحياء بيروت وأزقة المناطق المهمشة في ذروة الصعاب، يواسي المنكوبين ويستمع لمعاناة البسطاء بتواضعٍ جمّ، مما جعل منه مرجعية شعبية تسكن القلوب قبل أن تسكن الصروح الرسمية.
وفي عام 1983، أصدر مع الإمام السيد محمد مهدي شمس الدين «وثيقة الثوابت الإسلامية العشر»، التي شكّلت محطة مفصلية في تأكيد التزام المسلمين اللبنانيين بوحدة لبنان ونهائيته، وبعروبته، وبحصرية الشرعية في الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية.
كما رفض المفتي خالد الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، ودافع عن كرامة اللبنانيين جميعاً، وفي الوقت نفسه حذّر من الوصايات الخارجية والتدخّلات التي تستهدف القرار الوطني اللبناني، أياً كان مصدرها. وقد جعلته مواقفه المستقلة عرضة للاستهداف السياسي، في مرحلة كانت تعج بالصراعات الإقليمية والتجاذبات الداخلية.
ورغم مرور عقود على اغتياله، لا يزال الشيخ حسن خالد حاضراً في الذاكرة اللبنانية بوصفه رمزاً للاعتدال الإسلامي، وللوطنية الجامعة التي ترفض التطرف والطائفية الضيقة، وتؤمن بالدولة والحوار والتوازن الوطني.
وفي ذكرى استشهاده، يتجدّد السؤال: متى تعود لأهل السنّة في لبنان مرجعية قوية جامعة تحمي هويتهم وتدافع عن مصالحهم الوطنية؟ ومتى تُكشف الحقيقة الكاملة لاغتيال المفتي حسن خالد، ويُحاسَب المسؤولون عن هذه الجريمة؟
رحم الله المفتي الشهيد حسن خالد، الذي بقي اسمه مرتبطاً بفكرة لبنان الدولة، ولبنان العيش المشترك، ولبنان الذي لا يقوم إلّا بالاعتدال والحكمة والشراكة الوطنية.