عبدالرحمن قنديل
«سندات اليوروبندز»،ملف شائك منذ أن قامت حكومة الرئيس حسان دياب بالتخلف عن سدادها حتى اليوم،في ظل أزمة إقتصادية مستمرة وانتهاء حرب زادت على العبء عبئاً إضافياً،فمع الإنشغال في الحرب وتداعياتها تابعت هذه السندات التي بلغت نحو 31 مليار دولار نشاطها فزادت من 6.36 سنت في حزيران الماضي إلى 9.18 سنت للدولار منذ نحو شهر إلى 10.46 تقريباً ثم 11.72 سنتاً في الأيام الماضية،هذا الإرتفاع يفتح الباب أمام تساؤلات عن أسبابه وتوقيته وعن الدعاوي المفترض أن يرفعها الدائنون على الدولة قبل آذار 2025.
رئيس وحدة الدراسات في بنك بيبلوس نسيب غبريل يقول:«أولاً علينا العودة في بداية الأمر إلى قرار التعثرعن تسديد سندات اليوروبندز التي اتخذته حكومة الرئيس حسان دياب،باعتبار أن هذا القرار ليس قرارا تقنيا بل قرار سياسي بامتياز على الرغم من كل ما قيل منذ ذلك الحين بأنهم سيفاوضون أصحاب سندات اليوروبند،ولكن الذي تبين لاحقاً بأنه لم تكن هناك نية لدى تلك الحكومة من القيام بعملية المفاوضات مع أصحاب السندات،وأتت الحكومة الحالية بعدها ووقعت اتفاقا مع صندوق النقد الدولي في نيسان 2022 يتضمن 9 بنود مسبقة يجب أن يطبقها لبنان ليصادق صندوق النقد الدولي بعدها على المشروع النهائي للإصلاح ليقوم بتديين لبنان بـ3 مليارات دولار».
ويضيف غبريل:«أحد هذه البنود المسبقة هي إعادة جدولة وهيكلة الدين العام،أي عملياً إعادة جدولة وهيكلة اليوروبندز أي عملياً القيام بمفاوضة حاملي السندات،ولغاية اليوم لم تحرك الحكومة ساكناً في هذا الموضوع،ولم تبدأ حتى بالتفاوض مع حاملي سندات اليوروبندز،مع العلم أن هذا البند يعتبر الأسهل من بين الإجراءات المسبقة التسعة،باعتبار أن هذا البند ليس بحاجة إلى مشروع قانون،أو مناقشة وتصويت في المجلس النيابي،كما أنه ليس بحاجة إلى التصويت داخل مجلس الوزراء فالمجلس يقوم بتعيين فريق عمل والفريق يقوم بمفاوضة حاملي السندات،لذلك لا يوجد هناك أي تعقيدات تتعلق بقوانين أو نقاشات معينة في مجلس النواب أو الوزراء».
ويشير إلى أنه من المستغرب أنه لغاية اليوم لم تقم الحكومة بالمباشرة في تطبيق هذا الإجراء مسبقاً،ولكن عقب القرار التي اتخذته الحكومة السابقة بالتعثر عن تسديد سندات اليوروبندز،وعدم نيتهم بالتفاوض أدى إلى الهبوط في أسعار سندات اليوروبندز،واستمر في الهبوط مع تلكؤ الحكومة الحالية ببدء هذا الشق من البرنامج مع صندوق النقد الدولي إلى أن وصلت هذه السندات إلى قعر بلغ تقريباً 6$ و25 سنتا لكل سند،وهو أدنى سعر لكل سندات اليوروبندز للأسواق الناشئة.
ويردف غبريل قائلاً:«هناك 3 بلدان تعثرت عن تسديد سندات اليوروبندز وهي سيريلنكا وغانا،وأثيوبيا في عام 2022 أي بعد تعثر لبنان عن السداد بعامين عبر قرار الحكومة السابقة،وأسعار سندات هذه البلدان مقارنة مع أسعار سندات اليوروبندز في لبنان سعر السند التابع لسيريلنكا بعد التعثر 63$ ،وأثيوبيا بعد أن تعثرت على سند واحد 78$،ومعدل سندات اليوروبندز التابع لغانا بين الـ70$ والـ 78$،أما لبنان فهبطت أسعار السندات إلى 5$ و50 سنتا في آخر ثلاثة أشهر من سنة 2022 إلى أن تراجع في أيلول 2024 إلى 6$ و 25 سنتا،وقفز في تشرين الأول الماضي إلى 8$ و20 سنتا،ومع وقف اطلاق النار ارتفع إلى 9$ و25 سنتا،أي أن هذا الإرتفاع بلغت نسبته حوالي 31% تقريباً».
ويكمل:«إن النظريات التي تتكلم أن هذا الإرتفاع هو ناتج عن التحولات السياسية الحاصلة في لبنان هو كلام لا أساس له على الإطلاق،ولأن هذه الأسعار وصلت إلى هذا المستوى المنخفض يدل على أن مجموع سندات اليوروبندز التي تم التعثر عليها هي 31 مليون دولار التي تعثرت الدولة اللبنانية عن سدادها،لذلك لم يتم هناك تداول في السوق السنوي على سندات اليوروبندز لأنه لا يوجد هناك أي ثقة في السلطة السياسية بقيامها في الإصلاحات،وتنفيذ الإتفاق مع صندوق النقد الدولي وهذا ما أدى إلى هبوط هذه السندات، وبالتالي لم يحصل طلب أو تداول عليها، لذلك يأتي هذا الإرتفاع من مئات مليارات الدولارات الناتجة عن استثمارات اليوروبندز، فهذا كله ناتج عن مبالع ضئيلة جداً من قبل المؤسسات التي دفعت ثمن هذه السندات لأن أسعار السندات هي في القعر تعتبر بسبب انخفاضها الحاد وبالتالي لا يوجد هناك سيولة أو طلب على سندات اليوروبندز».
ويرى غبريل أن أسباب ارتفاع سندات اليوروبندز مؤخراً هو المضاربة من قبل بعض الجهات من أجل تحقيق أرباح سريعة،فالأرباح تبلغ حوالي الـ30% جراء هذه الخطوة وليس له أي علاقة بأي تطور سياسي يشهده لبنان،وبسبب تأخير الحكومة الحالية بالتفاوض مع حاملي سندات اليوروبندز والأسهم فباتت هي أمام موعد استحقاق آذار عام 2025،الذي سيفقد صاحب السندات أو المؤسسات التي تحمل السندات بموجب هذا الإستحقاق حقوقهم بالمطالبة بالفوائد على سندات اليوروبندز،وهناك فوائد متراكمة بلغت بحدود 8 إلى 9 مليار دولار من ضمن التعثر أيضاً لضمان حقهم أمام الدولة ففي حال تخطوا هذا الإستحقاق حكماً سيفقدون هذا الحق،وعلى هذا الأساس هناك معلومات عن أن حاملي السندات سيقومون برفع دعوى على الدولة اللبنانية ليحفظوا حقوقهم بالمفاوضة على القدرة على الإسترجاع من هذه الفوائد المتأخرة.
ويكشف أن الكلام المتداول حول أن الدعاوى المتوقع رفعها من قبل حاملي السندات لكي يضعوا أيديهم على أصول الدولة اللبنانية،واصفاً هذا الكلام بأنه لا معنى له وهو يندرج في اطار التهويل،ففي حال تأكد بأن هناك توجه لرفع الدعوى يجب أن يتم رفعها في المحاكم الأميركية «نيويورك» باعتبار أن السندات صادرة عن المحاكم الأميركية تحت قانون ولاية نيويورك،لذلك رفع الدعوى ستكون في محكمة ضمن ولاية نيويورك،والإجراءات القضائية المترتبة بحاجة بدورها إلى وقت أي على الأقل في حدود السنة تقريباً لكي يصدر القرار،وكان هناك كلام عن توجه الحكومة إلى شراء هذه السندات باعتبار أن سعر هذه السندات منخفض،ولكن هذا غير وارد ولا يجب أن يتم أخذه في عين الإعتبار،فهذا الإجراء يضر في صورة لبنان وهذه الفكرة تم اقتراحها منذ مدة قصيرة وسبق أن طرحت منذ عام تقريباً،ولكن هذه الفكرة تعطي صورة سلبية عن لبنان وقطعاً لا تساهم في عودة لبنان إلى الأسواق المالية والمصرفية العالمية.
ويختم غبريل:«أتمنى بعد تلكؤ الحكومة ومضي خمس سنوات على التعثر في تسديد سندات اليوروبندز،أن تتوصل الحكومة إلى إتفاق مع حاملي سندات اليوروبندز لإطالة هذه المدة بدلاً من آذار 2025 إلى سنة تقريباً لكي لا يخسر حاملو سندات اليوروبندز حقهم في المطالبة في الفوائد،لذلك في هذا الوقت الفرصة لا زالت متاحة للحكومة لمفاوضتهم لكي تتجنب الدخول في الدعاوى من قبل حاملي سندات اليوروبندز،على الرغم من أن حاملي السندات لم يتوقفوا عن المطالبة بحقوقهم ففي حال لم يتم التوصل إلى إتفاق أو لم تبادر الحكومة بالتفاوض فحكماً أصحاب السندات سيقومون برفع الدعوى».