بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 تشرين الثاني 2024 12:00ص طيران الشرق الأوسط معجزة لبنان

حجم الخط
هذا ببساطة هو المعجزة اللبنانية. يوم الثلاثاء، كان من المفترض أن أسافر حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر. كنت قد حجزت سيارة أجرة حوالي الساعة الواحدة ظهراً لتجنّب الزحمة المرورية الوحشية التي تشهدها بيروت هذه الأيام حيث أصبح التنقل شبه مستحيل. حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً صدرت إنذارات تهدّد بعض الأحياء في الضاحية الجنوبية، وبدأ القصف حوالي الساعة الثانية عشرة. رغم نداءات القلق من العائلة، وأصوات الانفجارات المدوية، والطائرات المسيّرة التي تحوم بلا توقف فوق المدينة، توجهت إلى موعدي مع سائق سيارة الأجرة في أقرب وقت ممكن.
لم يكن السائق موجوداً، وكنت قلقاً قليلاً من أنه قد غيّر رأيه وقرّر عدم القدوم. اتصلت به عبر الهاتف، وكان هذا الرجل الشجاع يعتذر لأنه عالق في الزحمة المرورية. شعرت بالارتياح الكبير وأطمأننت فوراً وقلت له أنه لا داعي للقلق وسأنتظره مهما طال الوقت، تماماً كما ينتظرني عندما تتأخّر سيارة الأجرة لبضع دقائق. وصل السائق أخيراً، وكان رجلاً شجاعاً كبيراً في السن، ودوداً وبشوشاً ويبدو غير متأثر بما يجري فوق رؤوسنا.
سألته عن الطريق الذي سيسلكه محاولاً تحديد موقعنا بالنسبة إلى المواقع التي تتعرض للقصف، فأخبرني عن الأزقة التي سيسلكها لتجنّب الزحمة. وفي الوقت نفسه، تغني فيروز بلحنها الرائع في الراديو عن الحبيب الذي تكتب اسمه على الرمال. في لحظة ما، اختفت الزحمة كأنها ذابت مثل الملح، ووجدنا أنفسنا وحدنا على الطريق نسير بسرعة 100 كيلومتر في الساعة باتجاه المطار.
شاشات المغادرة شبه فارغة، مع ثمانية رحلات فقط مجدولة لبقية اليوم، جميعها تابعة للخطوط الجوية اللبنانية (MEA). طاقم الأرض كانوا ودودين للغاية وغير قلقين رغم أصوات القصف المدوية التي تزداد وضوحاً. تفتيش الأمتعة كان سريعاً، وحتى معاملة رجال الأمن كانت خفيفة الظل قبل فحص الجوازات. صعدنا إلى الطائرة متأخّرين قليلاً، وتفاجأنا بصوت مميّز لفلين زجاجة الشمبانيا التي فتحها الطاقم بحماس استعداداً للإقلاع.
سرعان ما تجد نفسك تحمل كأساً بيدك للاستمتاع بالمشروب الفوّار بدرجة الحرارة المثالية. تأتي المضيفة بابتسامة عريضة تقدّم لنا خيار المقبلات والوجبة: سمك السلمون المدخّن متبوعاً بلحم مع صلصة شهية للغاية. وأخيراً، القهوة الإسبريسو التقليدية مع كأس من الكونياك VSOP الذي تم فتحه للتو.
لم أشعر يوماً بفخر أكبر بخطوطنا الوطنية. هؤلاء الأشخاص مذهلون. هم فوق الحرب، فوق الخوف، وفوق كل الوحل الذي يغرق فيه بلدنا يوماً بعد يوم. إنهم يرفعوننا حرفياً ومجازياً، ويمنحوننا القدرة على البقاء والاستمرار، ويعملون كالرئة التي تربطنا بالعالم.
لطالما سمعنا عن المعجزة اللبنانية وأعتقدنا بسذاجة أنها نوع من السحر أو العناية الإلهية أو الحظ أو حتى الحمض النووي الغريب الذي يفسر كيف صمد بلدنا ونجا بشكل جيد طوال الخمسين عاماً الماضية. اليوم أشعر بعمق أن المعجزة اللبنانية هي بالضبط هذا.
سائق سيارة الأجرة الذي ينسلّ بين القنابل مستمعاً إلى فيروز، ويحاول تجنّب الزحمة، وطاقم الـMEA الذي يحاول تقديم الشمبانيا بدرجة الحرارة المثالية بينما ينهار العالم من حولنا. لكل هؤلاء الأشخاص، أقول: أحبكم.

جو عتيق
مدير مستشفى الجامعة الأميركية