قال شهريار ذات أمسية لزوجته شهرزاد: «تعلمين أنني لم أسألك حتى الآن: لماذا قصصتِ عليَّ قصصك الجميلة؟»، أجابت شهرزاد لأمرين يسيرين: «الأول لأحقن دمي وأعصم نفسي من الموت والثاني لأصرفك عن سفك الدماء، وقد بلغت من هذا كل ما أريد.. والثاني: أن الجهد ممتع ومفيد إذا نشأ عن الرغبة، وهو بغيض إذا نشأ عن الرهبة والإكراه.. وقد آن لي أن آخذ بحظّي من الحرية، فلا أقصّ إلّا حين أريد أنا، لا حين تريد أنت، ولا حين تريد الظروف..». أنطلق من هذا الحوار الممتع بين شهرزاد وشهریار وفي ذهني أمرٌ واحد هو الإزدواجية التي يمارسها بعض كتّابنا، لأن هذه الإزدواجية لها معنى واحد هو ممارسة القمع الذاتي الذي يمارسه الكاتب بنفسه، وهو يشبه قرارات منع التجول ومنع النشر والتأليف ومنع التفكير ورفض مماراسات السادة في قمع الآخر المختلف! وهذا لعمري أقسى أنواع الخيارات التي لا تخضع لأيّ منطق، وهي بالفعل مازوشية بحاجة الى أكثر من تحليل وتمحيص.. وهنا تعود بنا الذاكرة الى شعراء البلاط والشعراء المنتفعين الذين باعوا موهبتهم من أجل حفنة من الدراهم! وهم الآن يتكرّرون بصور وأسماء مختلفة، وهذا الأمر ليس عجيباً ولا غريباً، لأن فئة المطبّلين والهتّافين هي من سنن الحياة على ما يبدو، التي تمكّننا أن نفكر بعقلين وأن نتكلم بلسانين وأن يحمل كل واحد منّا ضده! هذا المرض الذي أصاب البعض من أهل القلم والإبداع، يستحق منّا المناقشة والتحليل والتركيز على الآثار السلبية التي يتركها وأهمّها:
رهن المبدع نفسه للسادة (الجدد) وارتباطه المباشر بهم، فيصبح عندئذ المرفوض مقبولاً..!
هذه الحالة الشاذة سببها الفقر وعدم الرعاية لهؤلاء والإهتمام بهم، إن لم نقل قمعهم وخسارتهم الحرية القائمة على الرغبة والاختيار!!