بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 نيسان 2026 12:00ص السيّد يسين.. المُنظِّر العربيّ الأوّل لـ «ما بعد الحداثة»

حجم الخط
أحمد فرحات*

بلا جدال، يُعتبر السيّد يسين (1933 - 2017) أحد أكبر رموز الفكر العربيّ الحديث في مصر والوطن العربيّ. فهو كان قي مقدّمة الذين نَظّروا لخطاب العَولَمة، والمركزيّة الغربيّة، وحركة «ما بعد الحداثة»، ليس على المستوى العربيّ فقط، وإنّما على المستوى الأُمميّ أيضاً، إذ إنّ أطروحاته حول «ما بَعد الحداثة»، لا تقلّ شأواً وأهميّةً معرفيّة ونقديّة عن تنظيرات الفيلسوفَيْن: الأميركيّ فريدريك جيمسون والفرنسيّ فرنسوا ليوتار في هذه الحركة التي هي من نتائج البنية الفوقيّة للرأسماليّة الرّاهنة، والتي تريد نفي التعميماتِ والقوانين العامّة والشكّ في المُعتقدات والحتميّات الكبرى.
وكذلك تَرفض «ما بعد الحداثة» النّظر إلى الزّمن بمفهوم خطّي يتطوّر من مرحلة إلى مرحلة. كما أنّها تُندِّد بالصراط العقلي، وهداية التنوير، ورجاحة المثقّف الحديث، وتُعلن أنّه لا جديد سيأتي، وأنّ كلّ ما سيأتي هو ليس أكثر من رتابةٍ ممجوجة تؤكِّد غربةَ الإنسان وضعفَه وتشيّؤَ العلاقات الإنسانيّة على اختلافها. وقد «دلّت كلُّ قراءاته الموسوعيّة وكتاباته العميقة على أنّه من الصعب أن يكون له خليفة في مجالِهِ في وقتٍ قريب، سواء في مصر أم على المستوى العربيّ»، كما يقول صديقه النّاقد د. جابر عصفور (رحلَ هو الآخر عن دنيانا الفانية). أمّا لماذا؟ فلأنّه، وبحسب د. عصفور «دَرَسَ المستقبل أكثر من الماضي والحاضر، وظلَّ يَقرأ ويَكتب ويُعايِن ويُتابِع، حتّى من قلب حمأة صراعه مع المرض الخبيث».
والسيّد يسين عالِمُ اجتماعٍ أيضاً كان قد تخصَّص في «علم اجتماع الأدب» في باريس، وهو تخصُّصٌ غامض كان يقوده النّاقد الفرنسي الطليعيّ رولان بارت، وكتّابُ الرواية الجديدة في فرنسا، وما فتىء هذا التخصُّص يُطلّ، حتّى اليوم، بأسئلته المُلحّة على سوسيولوجيا الثقافة وعِلم الاجتماع الثقافيّ. ومن هنا وجَدْنا السيّد يسين يَضع في العام 1970 كتابه الشهير «التحليل الاجتماعيّ للأدب»، وأَعقبه في العام 1973 بكتاب «الشخصيّة العربيّة بين مفهوم الذّات وصورة الآخر»، ثمّ في ما بعد أَنجز كُتباً مهمّة للغاية مثل: «الكونيّة والأصوليّة وما بَعد الحداثة»، و»الوعي التاريخي والثورة الكونيّة»، و»الزمن العربيّ والمستقبل العالَميّ»، و»العوْلَمة والطريق الثالث»، و»التحليل الثقافي للمُجتمع» وغيرها من كتبٍ تخطّى تعدادها الأربعين كتاباً، نالَ عن بعضها جوائز مهمّة داخل مصر وخارجها.
لا تُحصى المرّات التي التقيتُ فيها بالسيّد يسين.. في باريس والقاهرة وبيروت وعمّان والرباط، وحاورته في شؤونٍ فكريّة وفلسفيّة ومعرفيّة شتّى؛ تعمَّرت إثرها بيني وبينه صداقةٌ شخصيّة استمرّت حتّى قَبل أيّام قليلة من وفاته فجر الأحد 19 آذار/ مارس من العام 2017 في مستشفى الشيخ زايد التخصّصي في مدينة 6 أكتوبر المصريّة.

دعْه يعمل.. دعْه يمرّ

كان موضوعُ «ما بعد الحداثة» من أهمّ الموضوعات التي حاورتُ فيها السيّد يسين، وأتذكّر أنّني سألته عن مفهومه الخاصّ لهذه الحركة.. أُفقاً ودلالةً معرفيّة، فأجابني بأنّ «ما بَعد الحداثة» ليست مجرّد مفهوم، بل هي حركة فكريّة متشعّبة بدأت بالعمارة أصلاً، ثمّ في الفنّ، وانتقلَتْ بعد ذلك إلى الفلسفة ثمّ إلى العلوم الاجتماعيّة. وواقع الحال أنّه لا يُمكن فهْم «ما بعد الحداثة» إلّا إذا فهمنا ما هي الحداثة، لأنّ «ما بعد الحداثة» تَفترض مشروعاً مناقضاً لمشروع الحداثة، أو على الأقلّ مُجانِباً لسلبيّاتها.
وأَردفَ: مشروع الحداثة، وهو مشروع غربيّ مركزيّ قامَ على أُسسٍ عدّة في طليعتها: الفرديّة، إذ الحداثة نَشأت مع نشوء الدولة الرأسماليّة الحديثة، ومع صعود البرجوازيّة كطبقة اجتماعيّة حاوَلت تحطيمَ القواعدِ والحدودِ التي كانت تحدّ أو تُصادر حركة الإنسان في المجتمع الإقطاعيّ. ففي هذا المُجتمع، وكما هو معروف، لم يكُن باستطاعة الفرد أن يتحرّك إلّا من خلال التقاليد الإقطاعيّة أو بأمرٍ من السيّد الإقطاعيّ. لذلك رفعتِ البورجوازيّةُ شِعار: «دعْه يعمل.. دعْه يمرّ»، بمعنى دعْه يعمل ما يشاء، ودعْه يمرّ في الطرق التي يريد وكيفما يريد.
والفرديّة التي قامت عليها الرأسماليّةُ أرادت في الوقت عيْنه أن تَسحب الفردَ من إطار الأسرة الممتدّة، وتَجعله بالتالي صاحبَ القرار بدلاً منها.. وعليه أصبحت الفرديّةُ واحدةً من أعمدة النظام الرأسماليّ الذي من طبيعته، كما هو سائد، «منْهَجة» و»برْمَجة» مَوْضِعَ كلّ فرد في المجتمع.
ومن أُسس الحداثة الغربيّة أيضاً العقلانيّة الصارمة، فالرأسماليّة قامت على التخطيط وعلى التنبّؤ بالمستقبل. ومن أُسُسِها كذلك الاعتماد على العِلم والتكنولوجيا لإشباع الحاجات الأساسيّة للبَشر وتطويعها لخدمتِهم.
ومن مداميك الحداثة كذلك، تبنّي نظريّةٍ خطيّة للتقدُّم الإنساني، لأنّها تَعتقد أنّ الإنسانيّةَ تَرتقي من مرحلةٍ إلى مرحلة أو من حالٍ إلى حال، أي أنّها في صعودٍ مُستمرّ.
ودَعتِ الحداثةُ أيضاً إلى تطبيقِ الوضعيّة في العِلم، وعدم الاعتماد إلّا على العِلم كرافعةٍ لنفيِ الخرافات والتفكير الخرافي.
هذه هي تقريباً الأُسس المركزيّة التي قامَت عليها الحداثةُ الغربيّة. وعليه جاءت بُعيدها حركة «ما بَعد الحداثة» لتُعلنَ أنّ الحداثةَ أدّت مهمّتَها التاريخيّة، وأنّها فشلتْ في تحقيقِ وعودِها، وأنّ الفرديّةَ خلالها اتَّسمت بإسرافٍ شديد التعقّل أدّى إلى كوارث إنسانيّة مريعة، وأنّ التاريخَ الإنسانيّ لم يتقدّم، بدليل أنّه قامت النازيّة والفاشيّة والحربان العالميّتان الأولى والثانية.. وبالتالي فإنّ «ما بَعد الحداثة» أَطلّت لتبلْوِرَ مشروعاً حضاريّاً بديلاً من مشروع الحداثة، تقوم دعائمه على تحرير الفرد من القيود التي كبَّلته بها الرأسماليّة، وتفكيك المؤسّسات الكبرى، وتبديد الأنساق المُغلَقة، والتركيز على المجتمعات المحليّة، والتعدّديّة، وإتاحة الفرصة للحريّة الإنسانيّة كي تَأخذ مداها.

التخلّي عن نظرة تغيير العالَم

وأتذكّر أنّني سألتُ السيّد يسين عن رأيه في مسألة تخلّي جماعة «ما بَعد الحداثة» عن نظرة تغيير العالَم، فأجابني: كانوا يا صديقي على الضدّ من احتكار المثال الحديث لذاته ولنخبويّته ونواميسه في الحُكم على الأشياء وتصويبِها. إنّهم لا يريدون عبادةَ أيّ مشروع، أو قيَمٍ إيمانيّة بالمستقبل، لأنّه ثبتَ بنظرهِم فشلها وتوليدها لخيباتٍ متحقّقة.
وما الذي يُمكن أن تُضيفه بَعد كباحث عربيّ مختصّ بـ «ما بعد الحداثة»؟.. وقَبل أن أستفيض بشرْحِ سؤالي، أجابني السيّد يسين: ثمّة إيجابيّات وسلبيّات لـ «ما بعد الحداثة»... ومن سلبيّاتها أنّها لا تؤمن بالتعميمات على مستوى المجتمع.. ليس هناك قوانين عامّة، ونحن حقيقةً لا نستطيع أن نعيش من دون تعميمات، لأنّنا ببساطة لا نستطيع العيش على مستوى الحالات الفرديّة: فرد.. فرد.. فرد.. لا بدّ إذاً من أن يكون هناك قوانين عامّة أو نظريّات عامّة تَحكم حركةَ المُجتمع وتَضبط انفجارَ توجّهاته؛ وعليه فإنّ حركة «ما بعد الحداثة» تكون قد أَسرفت في محاولتها نفي القانون العامّ.
ولماذا يا ترى كان هذا النفي من طَرَفِ الحركة للقانون العامّ؟
سألتُ مفكّرنا الكبير فأجاب: نَفَتْهُ لأنّه كان قانوناً متسلّطاً. خُذْ مثلاً فكرة الحتميّة.. «ما بَعد الحداثة» تقول إنّ الحتميّةَ سَقطتْ في التاريخ، وسقطتْ في الطبيعة، وسقطتْ في المجتمع. لا يوجد مثلاً قانونٌ ماركسيّ يتنبّأ بانهيار الرأسماليّة.. هذا قانون عامّ.. و»ما بَعد الحداثة» لا تَقبل بمثل هذه القوانين العامّة. كما أنّها لا تَقبل بما يُسمّى بالأنساق الفكريّة المُغلقة: مذهب متكامل له مقدّمات فلسفيّة، وله بنية فكريّة، وله تنبّؤات كالماركسيّة أو الرأسماليّة الجامدة.. «ما بَعد الحداثة» لا تَقبل بهذا البتّة. إنّها تقول إنّنا ينبغي أن نفتح على أنساقٍ فكريّة قابلة للتجدُّد والتطوّر، وأنّه لا يجوز حصْر الحقيقة في مُحدِّدٍ مُغلقٍ بعيْنِه.

*مؤسّسة الفكر العربي
 يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ