بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 تشرين الثاني 2025 12:00ص دور الشاعر!

حجم الخط
كلما خيّب ظن الشاعر صديق، أو عقّه ولي، أو غدر به من أحسن إليه، أو سرقه من وضع ثقته بأمانته، تختلج الشكوى في أعماقه، الوهلة الأولى، ولكنها تتبخّر قبل أن تتبلور كلمات على لسانه، وتذوب في بسمة إشفاق على أهل النفاق!...
الشاعر بدء الثورة لا التمرّد: ثورة بيضاء خضراء زهراء. انه عصفور في رحب السماء. هو سنان رمح عصره. وحده هو من يتنبأ وإلّا ما كان المتنبي، شاعرنا الأضخم في الشعراء، أن يتنبأ، وأن نردّد، من بعده، هذا البيت أو ذاك من شعر نبوءاته، التي هي حكم تعلو على الحكم، في شعر يعلو على الشعر.
الشاعر قادر على قراءة السحب وما في شفائفها، فتجيء الثورة التي هو بدؤها ولا سيما إذا كان فيلسوفا كالمعري وسعيد عقل، وفق قراءته السحبية لها تماما. انه المبتدأ الثوري لخبر ثوري يتلامح. والكفاح الفكري بالكلمة الشعرية مدخل إلى مخرج كل معضلة بشرية.
دور الشعراء، كحملة أقلام، أن يكونوا البدء الثوري، لتبلغ الأمة الظفر الذهني-الروحي المنشود، لا أن يكونوا الختام، لبدء يشرّع به غيرهم، ويبقون في القعدة، عاجزين عن الاستلهام حين الإلهام يناديهم، وبعيدين عن إطلالة الركب، حين الركب يغذّ السير وهم يلهثون في المؤخرة.
الشاعر غمام به نتفيأ، وبه نستمطر، وبه نبعث النضارة في الزرع والضرع على السواء.
في مقدور الشعر، الكثير. أما النثر فقد يباري الشعر - وقلّما انشأت القصائد - ولكن الغلبة غالبا للشعر. بيد أن نثري كان وسيبقى في خدمة الحقيقة وخدمة الإيمان، عندما ينهض على أساس من يقين، بان كل شيء إلى زوال، ما عدا الكلمة الصادقة، في الموضع الصادق، فهي خالدة، وبها يتخلّد الذكر، وتخلّد المكرمات وتكون النعمى توشية أنقة، للفظ أنيق، به تكتب السيرة، وبالجرأة تتجمّل، حيث لا جمال إلّا جمال العدالة، نجمة أبعد، وأسطع من كل النجوم الراقدة على الحضيض... وبتّ أبتهل إلى العليّ القدير قائلا: حمدا لك يا ربي الذي جعلني مخدوعا لا خادعا، مسروقا لا سارقا، مجحودا لا جاحدا. أحسن إلى من يسيء إليّ، وأصفو لمن يتحامل عليّ، فارتقي بفضل نعمتك إلى مرتبة لا يطالها إلّا الأبرار، وأعيش في عصمة من كيد الأشرار!
وتبا لأولئك المنتفخين المتطاوسين، الذين تحرمهم أخلاقهم من إنسانيتهم، وتحرمهم أعمالهم، بمؤازرة كتبة يستكتبونهم، من الغبطة المعدّة للخيّرين!

أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه