المحامي المتدرج نجيب حسن
في زمن الحروب، لا تكون المعركة على الحدود فحسب، بل تمتدّ إلى داخل العقول والقلوب. وفي لبنان، حيث تتقاطع الأزمات مع التهديدات، يبرز خطرٌ أخطر من أي سلاح: خطر الفتنة والانقسام.
العدو لا يحتاج دائمًا إلى أن يهاجم، فحلمه الأكبر أن يرانا متناحرين، متفرّقين، نختلف حتى نتحوّل إلى خصوم. أن يرى الصديق عدوًا، والجار غريبًا، وأن تتحوّل آراؤنا إلى متاريس بيننا. هذا هو الانتصار الحقيقي الذي يسعى إليه : أن نهزم أنفسنا بأنفسنا.
فحين ينقسم اللبنانيون، لا يضعف طرف دون آخر… بل يضعف الوطن كله. وحين تتحوّل الخلافات إلى عداوات، نصبح نحن السلاح الذي يُستخدم ضدّنا.
فهل هناك أخطر من أن يتحقّق للعدو ما يريد دون أن يدفع ثمنًا ؟
عدوّ الوطن لا يفرّق بيننا، فلماذا نفرّق نحن ؟ هو عدوّنا جميعًا.
من يروّج للتقسيم، لا قدّر الله، تحت أي ذريعة، إنما يفتح أبواب الفتنة على مصراعيها. فهو لا يعالج أزمة، بل يزرع أزمات أكبر، ولا يطفئ نارًا، بل يشعل حرائق لن تُبقي ولن تذر. فالتقسيم ليس خلاصًا، بل انحدار نحو مزيد من الضعف والانقسام والتشرذم.
لبناننا اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات العالية، بل إلى عقول هادئة متنيرة. لا يحتاج إلى من يزيد الانقسام، بل إلى من يطفئ ناره. لأن أي انزلاق نحو الفتنة ستحرقنا جميعا بدون استثناء.
نقولها بالفم الملآن : إنّ أي دعوة للتقسيم في هذه الظروف ما هي إلا خيانة وتكريس لمشروع فتنوي لن ينجو منه أحد.
*لا تنجرّوا* خلف من يروّج لخطاب الكراهية، ولا تكونوا أبواقًا لنشر البغض. الكلمة مسؤولية، والموقف مسؤولية، والصمت أحيانًا جريمة. *أوقفوا هذا الانحدار الأخلاقي* قبل أن يصبح واقعًا لا يمكن تغييره.
*عودوا إلى رشدكم*، ما عاهدكم الله على هذا التباغض ولا على هذا الانقسام، ولا خُلقتم لتكونوا أدوات فتنةٍ أو وقود كراهية. *عودوا إلى إنسانيتكم* قبل أن تضيع من بين أيديكم، وقبل أن تستفيقوا على واقعٍ لا يشبهكم ولا يليق بكم. لا تُلقوا سلاح الكلام الجارح بين بعضكم، فالكلمة قد تهدم ما لا تهدمه الحروب. تذكّروا دوما أنكم أبناء لبنان الواحد، يجمعكم أكثر مما يفرّقكم، وأن ما بينكم من روابط أعمق من أي خلافٍ.
لا تجعلوا الغضب يقودكم، ولا تسمحوا للأحقاد أن تتسلّل إلى قلوبكم، لأن من يفقد إنسانيته، يفقد كل شيء بعدها. يفقد ضميره، يفقد عدله، يفقد قدرته على التمييز بين الحق والباطل. فالعلم بلا إنسانية يصبح أداة هدم، والقوة بلا أخلاق تتحوّل إلى بطش، والرأي بلا وعي يتحوّل إلى فتنة.
إن أعظم ما نملكه ليس مواقفنا ولا آراؤنا، بل إنسانيتنا. فإن سقطت الإنسانية، سقط كل شيء معها. فلا تخسروا أنفسكم، ولا تضحّوا بقيمكم في سبيل لحظة غضب. تمسّكوا بما تبقّى من أخلاقكم، وكونوا على قدر هذا الوطن الذي يحتاج اليوم إلى وعيكم أكثر من أي وقت مضى.
كلّنا في زورقٍ واحد… إمّا أن ننجو معًا أو نغرق معًا.
إمّا أن نتكاتف… أو نغرق جميعًا.
ففي زورق الأزمات، لا نجاة إلا بالتكاتف و بالتضامن.
فلنكن يدًا واحدة، ولنحفظ ما تبقّى من هذا الوطن.
وفي الختام، حمى الله وطننا، وأسبغ علينا نعمة الصبر والسلوان … وكان الله بعوننا جميعًا.