المغامرة المركّبة في رواية، أم في سردية أدبية أو فكرية ذات معنى، إنما نعني بها تلك المغامرة الذهنية والنفسية في اللغة وباللغة. وهي تكاد أن تكون برهة طويلة، تتمتد في الزمن: بناء وتركيبا وهدما وإعادة بناء من جديد. ليست هي إذا «حكاية» النفس نرويها للنفس، لنفرج عن مكبوتاتها، وإنما هي «حكاية» الثقافة النفسية، نرويها لقارئ كامن فينا، أو لقارئ عيني موجود خارجنا. إنها أشبه ما تكون بهندسة حكائية، أو بتشكيل حدثي حداثوي، شديد التعقيد، يقع ضمن خارطة من الشروط الصعبة التنفيذ. وأهمية هذا التشكيل الحدثي، أن يأتي منسجما، غير مشعث، يحمل في طويته خيط الدهشة ومصباح ديوجين في آن.. تشكيل مستحدث، لا يكرّر نصا أو سردية ما، وإنما يحدّث القارئ، بما يعرف وبما يفهم، وبما يقبل، لأن شرط القبول عند القارئ، هي حتما غاية مرتجاة.
لا يشذّ نعيم تلحوق، في سردية المعنى التي أتى بها من جهة الغموض النفسي، في: (أرض الزئبق - نعيم تلحوق - فواصل. بيروت/ 2022. منشورات نصوص. توزيع مكتبة بيسان، رأس بيروت/ 160ص.) عن هذه الاعتبارات كلها، ذلك أنها تعلن عن ذات فرد، هي الذات المنشئة، غير أنها، كما يتبيّن لنا، من خلال فصولها المتتالية والمتعاقبة، أنها تحمل علامات الإنتماء الجمعي لتلك الذات المنشئة، بحيث يجد فيها القارئ ذاته أيضا. وبهذا المعنى، نقول: إن تجربة الكاتب والشاعر والناقد والمفكّر نعيم تلحوق، إنما هي فعلا، مغامرة مركّبة. ولو أنه يوازن قدر الإمكان بين خطوطها: يلمّ شعثها وتشظيها، ضمن لعبة لغوية صعبة وخطيرة. يناور بها على الأدب والرواية والشعر والسرد والنقد، على حد سواء. نستمع إليه يقول تحت عنوان، (الرواية رؤيا: ص9):
«الرواية ليست شكلا من أشكال المغامرة، وليست وسيطا من وسائط الحياة اليومية المعيشة... ولا إستذكارا لحوادث اختلقها الكاتب من الزمن، ولا إسترجاعا لفكرة البطل الذي لا يموت سواء كان حقيقيا، أم متخيّلا. وليس الرواية حكاية لصالح الخطاب الروائي الذي أدرجته الحداثة الثالثة... ولا سيرة ذاتية لحياة خارج الحياة... الرواية هي الهوية، وهي الوجود والمعنى - الرؤيا... وينطبق ذلك على الكتابة بشكل عام... لذا لم تتدرّج الكتابة بعد، لتصير «كلمة». ليست الكلمة حروفا... بل موقف وهدف ومآل.. هي غرض كسيف.. لا تستعاد حركته إلا بعد حدوث الفعل... وقد تكون بعد مسارات... الكتابة الروائية(...) ملتبسة غير مسؤولة عن فعلها. لذا، يراد بحركتها إيقاعا إضافيا على الحركة الأصل...».
قد يكون نعيم تلحوق أكثر مناورة في اللغة، وهو لذلك أكثر جرأة على إبداع نص مختلف، ضمن عوالم سردية، لا تستجيب دائما لتوقعات القارئ. وهي لذلك ربما، تحمل طاقة الإدهاش والمفاجأة، ويلزمنا الوقت الكثير، حتى نخرج بها، من المخبر الأدبي بالنتائج.. غير أن ما فيها من فواصل ثقافية، وأدبية وفكرية ولغوية وشعرية، تجعل الأمر صعب التحقيق للوهلة الأولى، وإن كان لا ينتظر التحقق في المخبر النفسي، لأن نفس القارئ، سرعان ما تنشد إليه «بسرعة أنشتاين»، كما يقول هو نفسه، في بعض شعره. نستمع لتلحوق يقول تحت عنوان (إنحناء المعنى - ص5):
«مرة كنت أجول في فضائي البسيط.. وجدت أن البساطة هي أبلغ الكلام، حين يكون في مطرحه، وننتبه إليه (...). فالهدوء يضفي بساطة الروح على كينونة الجسد، أكان بشرا، أو زاحفا أو ذا قوائم أربع أو مائيا - برمائيا - صخريا...» ثم يضيف: «صديقي الروائي مخلوق فضائي إكتشفته على بُعد 130 كلم شمالي بيروت(...) ولشدّة الثقة التي تعتمر كلانا بعضنا ببعض، صرنا بحاجة إلى مورفين غذائي من خارج المتعارف عليه، لنبني اللحظة الكونية. وهكذا إستمريت في العمل على نفسي، كي لا أفقد هذا الكنز الأرضي. وأفكاره مثلي من خارج الكوكب الذي نشعر فيه، ونعيش عليه..».
يقول جورج لوكاش متحدثا عن سحر الرواية وسحر السرد: «الرواية هي ملحمة عالم بلا آلهة».. يريد أن يقول: إنها بنت الملحمة. فهل «المغامرة المركبة» عند نعيم تلحوق، إن هي إلا ملحمة، تماما كما في الملاحم الكبرى، رغم صغر سرديته الممتلئة بالتوثب الملحمي. فسردية المعنى، تحتفظ بالمماثلة الدالة على ذلك. وما يجمع بينهما، هو القدرة الفائقة على إلتقاط النفس المتوثبة للتغيير في المعاني والدلالات، وفي ركوب الخيال وإختلاق الأحداث ومحاولة السيطرة على العالم والكون، باللغة. وهذا ما يتيح لـ«أرض الزئبق»، الإنسراب إلى روح الناس وقلقلتها.. وإستثارة الرغبات، ومنحها زمنا آخر للتغيير.. قبل أن تجعل العالم ينقلب على نفسه في عمل أدبي كثير النوافذ، ومترامي الأذرع التعبيرية. نص نعيم تلحوق، أشبه ما يكون بنص أخطبوطي، يمكنه أن يجذب إلى مركزه: الخرافة والأسطورة والتاريخ والشعر والرسم والمسرح والسينما والراديو والتلفاز. ليستحيل بعدئذ إلى نص تشكيلي حدثي سردي بكل معنى الكلمة. نص، له من الإمكانيات ما يجعله نص برهة «الحداثة الثالثة».. نستمع للشاعر تلحوق يقول في (عبث اللغة - ص113):
«التبدّل أو التحوّل أسرع مما نتصوّره ذهنيا... لا تفهم لماذا تتحوّل وأنت داخل محجرك.. لا خبز.. لا ماء.. لا كهرباء.. لا هواء.. ارتفع سعر القيمة.. وانخفضت قيمتك.. وأنت راكد في الهباء.. لا تعرف إذا كنت الشخص نفسه الذي تنفّس قبل لحظات... أنت تسقط في الحياة التي تتحرك في اللاشيء.. في اللاجدوى من أي شيء. غلاء الوقوف في كل إتجاه.. كل شيء إرتفع.. إلّا أنت.. تهبط قيمتك تباعا.. وأنت لم تتحرّك بعد...».
«سردية المعنى» في «أرض الزئبق» لنعيم تلحوق، إنما تأتي تعبيرا عن هذا الإنتماء إلى قضايا الإنسان المعاصر. فهو يتكلم بلسانه، ويلتزم قضاياه، يحرك السواكن، ويهدم الصنمية الذهنية والثقافية، ويهزّ أركانها. يقف بكل شجاعة في الصف الأول، ضد الفساد، وضد القمع وضد الأفكار المعلّبة، وضد الأفكار الرجعية.. وإن لم يكن هذا هو نعيم تلحوق، فمن هو إذن، هذا الشاعر الساكن الأرياح كلها؟
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية