بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 كانون الثاني 2026 12:10ص أبعاد احتجاجات إيران الثالثة على قاعدة الاستثمار في الوكيل فهل سينجح النظام؟

حجم الخط
د. جيرار ديب

شنّ نائب الرئيس الإيراني للشؤون الإستراتيجية، محمد جواد ظريف، هجوماً غير مسبوق على حلفاء بلاده في المنطقة، خلال مشاركته الأربعاء 23 كانون الأول الماضي، في أعمال «منتدى دافوس» المنعقد في سويسرا، معتبراً أن ما يُسمّى حلفاء المحور، كان لهم دور سلبي تجاه مصالح طهران في المنطقة.
تصريحات ظريف تبرز ملامح رؤية جديدة للدور الإيراني في المنطقة، وتفتح النقاش على مصراعيه، فهل يعني أنّ إيران تعمل على التخلص منهم ضمن صفقات مع الأميركي؟ أم ستستثمر في ما أنفقته من تسليحهم في أي حرب إسرائيلية محتملة؟
الملفت إن تصريحاته أتت قبل أن تعمّ البلاد احتجاجات أطلق شرارتها التجار الأحد في 28 كانون الأول الماضي، وما لبثت أن تحوّلت إلى احتجاجات عمّت معظم المدن الإيرانية الكبرى. دليل على ان النظام ذاهب نحو الاستثمار في الوكيل، بعدما لم تنجح «مراوغاته» السياسية من كسر حالة الجمود مع الغرب.
أطلق مسؤولي النظام «الثيوقراطي» المسيطر في إيران منذ عام 1979، تصريحات مثيرة، فالمستشار السياسي للمرشد الإيراني، علي شمخاني، وجّه تحذيراً حاداً مؤكداً أن أي محاولة للمساس بالأمن سيواجه «بردّ ساحق». وكذلك أتى ردّ أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، الذي اعتبر أن أي تدخّل أميركي، سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة.
بين «الردّ الساحق» وبين «زعزعة استقرار المنطقة»، يأتي «اللوم على وكلاء طهران» الذي عبّر عنه ظريف في دافوس ليوضح تلك الصورة التي شكّلتها مشهدية معقّدة بين مطالب لمحتجين محقّة، كما قال الرئيس مسعود بزشكيان، وبين حماية النظام من السقوط كما ذكر مستشاريه. هذا ما يؤكد على إن لغة التفاوض على الوكلاء قد سقطت من حسابات النظام ليرتفع الحديث عن الاستثمار بهم، مع الحديث عن دخول مجموعات من المليشيات العراقية لدعم القوة الأمنية الإيرانية في قمع المحتجين. العراقي وكيل قريب، فماذا عن الوكيل البعيد جغرافياً تحديداً حزب الله في لبنان؟
وضع البعض السقف العالي لدى المسؤولين الإيرانيين في خانة الردّ الطبيعي على ما توعّد به الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال اللقاء الذي جمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بينيامين نتنياهو في فلوريدا الإثنين 30 كانون الأول الماضي، بضربات جديدة، إذا أعادت بناء برنامجها النووي والقدرات الصاروخية. وبعدما وجّه ترامب «تحذيراً شديداً» لإيران، الجمعة 1 كانون الثاني الجاري، على منصته الاجتماعية «تروث سوشيال» أشار فيها «إلى أن بلاده ستتدخّل بالقوة، إذا أطلقت طهران النار على المتظاهرين وقتلتهم».
غير واضح كيف سيكون الردّ الأميركي على قتل المحتجين ولكن الواضح أن ساحات إيران بدأت تشهد على موجات من الاحتجاجات الواسعة، والتي امتدت من العاصمة طهران إلى مدن رئيسية أخرى، نتيجة التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدّى إلى تضخم مرتفع وانخفاض قياسي في قيمة العملة المحلية، ما أثار استياءً شعبياً واسعاً. إذ كان سعر صرف الدولار الأميركي قد ارتفع مقابل الريال الإيراني خلال شهر كانون الأول، من 116 ألف تومان إلى 144 ألف تومان أي بنسبة 24 في المئة.
شعارات حملها المحتجون ضدّ النظام القائم، وقد تكون الثالثة ثابتة وتؤدي إما إلى انهياره أو تراجع في نفوذه، ولا سيما إن الاحتجاجات الأولى والثانية دفعت به إلى التخلّي عن الكثير من نفوذه على الأرض، تماماً كما حصل مع إنهاء عمل «شرطة الأخلاق» التي سببت مقتل الطالبة مهاسا أمنية في عام 2022، والتي أدّت لمقتل أكثر من 300 قتيل بحسب ما قال قائد القوة الجوفضائية للحرس الثوري العميد أمير علي حاجي زاده في تسجيل مصور نشرته وكالة «مهر» الإخبارية.
وأما الموجة الأولى من الاحتجاجات كانت شهدتها البلاد مساء 15 تشرين الثاني من عام 2019، في العاصمة طهران بدافع زيادة سعر البنزين بنسبة 300%، وسرعان ما اشتعلت في اليوم التالي لتطال أكثر من 50 مدينة رئيسية في إيران، واستطاع النظام إنهائها بعد سقوط آلاف القتلى والجرحى.
لم تعد مظاهرات طهران اليوم، كما الأمس، مرتبطة بمطالب احتجاجية ودولة بوليسية قادرة على ضبط الأرضية، لقد «تعولمت» الاحتجاجات. إذ نشرت تقارير صحفية عن دعم روسيا لوجستي لضبط الوضع على اعتبار أن سقوط النظام الإيراني، سيشكّل صفة لمصالح روسيا في غرب آسيا، بعدما شعرت بأنها خسرت ورقة النفوذ في الشرق الأوسط مع هروب بشار الأسد وسقوط نظامه في سوريا.
تداخلت العناوين في إيران رغم إن المطالب محقّة، ولكنّ الأمر خرج عن السيطرة، وإن إسقاط النظام بات مطلباً استراتيجياً بعدما تعثّرت مفاوضاتها النووية مع الغرب، وارتفاع منسوب الحديث عن موجة من الضربات الإسرائيلية المنتظرة. وباتت وتيرة التصعيد فيها لا تقتصر على قدرة الشعب الإيراني في تحمّل أساليب السلطة البوليسية، بقدر ما ترزح بين «الردّين» الترامبي وكيفية تدخّله لإسقاطه وتطويق روسيا والصين مع سقوط ركيزة أساسية في التهرّب من العقوبات. وردّ «وجودي» للنظام في إيران والذي سيكون عبر الطلب من الوكلاء فتح جبهات واسعة من غزة إلى بيروت والعراق واليمن وسوريا بهدف إحداث الصدمة علّها تكون إيجابية لاستمرارية النظام، هنا يكمن أبعاد ما يحدث في إيران بين الاستثمار وبين أن تكون ثالثة ثابتة.