بيروت - لبنان

اخر الأخبار

24 كانون الثاني 2026 12:00ص أميركا بين الانفعال النفسي وإدارة القوة العالمية

حجم الخط
عباس المعلم*

في مسار التاريخ الإمبراطوري، لا تتحدد لحظات الانعطاف الخطِر بحجم الترسانة أو اتساع النفوذ، بل بنوعية الجهاز النفسي – السياسي الذي يدير القوة، وبمدى سلامة التوازن الداخلي لدى من يحتكر قرار استخدامها. فالخطر الحقيقي يبدأ حين تنفصل القدرة عن الرشد، وحين تتحوّل القوة من أداة دولة إلى امتداد مباشر للذات الحاكمة، بكل ما تحمله من عقد وهواجس ورغبات تعويضية نابعة من «أنا» قلقة تبحث عن تثبيت ذاتها عبر الخارج.
من هذا المنظور، لا تُقرأ الولايات المتحدة كدولة عظمى فحسب، بل كمنظومة هيمنة نفسية – سياسية، تُمسك بإيقاع العالم عبر إدارة محسوبة للفوضى. وفي نسختها «التقليدية»، حين تُقاد بعقل مؤسساتي بارد، يعمل كـ«أنا أعلى» كابح، تبقى سيفاً مصلتاً على النظام الدولي، تُحدث اختلالاً دائماً في التوازن والسلم العالميين سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، لكنها تحافظ على حدٍّ أدنى من قابلية التوقع، أي على توازن هش بين دافع الهيمنة وضبطها الرمزي.
غير أن التحوّل الأخطر يحدث حين تنزلق الإمبراطورية من حكم المؤسسات إلى حكم المزاج، ومن منطق الدولة العميقة إلى منطق الشخصية القلقة، حيث يتراجع دور «الأنا الأعلى» لصالح «الهو» السياسي بكل اندفاعه وغرائزه غير المفلترة. هنا يصبح التحليل النفسي أداة تفسير مركزية لا ترفاً فكرياً. فدونالد ترامب لا يمثل مجرد انحراف سياسي شعبوي، بل حالة سريرية - سياسية مركبة، تتقاطع فيها سمات النرجسية المرضية مع جنون العظمة التعويضي، وسلوك اندفاعي حدّي يتسم بعدم القدرة على تأجيل الإشباع، فضلاً عن نزعة قهرية لا ترى في الآخر سوى موضوع لإشباع الرغبة أو مسرحاً للإذلال.
من منظور لاكاني، يمكن قراءة ترامب كذات مأزومة تعيش في أسر «المرحلة المرآوية»؛ حيث يتضخم الأنا عبر انعكاسه في صورة القوة، والجمهور، والتصفيق، ويُستبدل الواقع المركّب بصورة متخيّلة عن الذات الكاملة. كل اعتراض خارجي يُفسَّر كتهديد نرجسي، وكل نقد يتحوّل إلى جرح في صورة الأنا، ما يستدعي ردّاً عدوانياً بوصفه آلية دفاعية، لا خياراً استراتيجياً. هنا لا تُدار السياسة الخارجية بوصفها علاقة مصالح، بل بوصفها مسرحاً لإعادة إنتاج الاعتراف بالذات.
تاريخياً، شهد العالم قادة امتلكوا سمات اضطرابية، لكن الفارق كان دائماً في قوة الكوابح البنيوية. ريتشارد نيكسون، مثلاً، حكمته بنية بارانويدية واضحة، واستخدم ما عُرف بـ«نظرية الرجل المجنون» لتصدير قلقه الداخلي إلى الخصم كأداة ردع نفسي. غير أن اضطرابه بقي محصوراً داخل إطار مؤسساتي صلب، عمل بوصفه جهاز كبح جماعي. أما جورج بوش الابن، فقد جسّد نمطاً مختلفاً من الخلل: بساطة إدراكية مفرطة، وتفكير ثنائي قائم على تقسيم العالم إلى خير مطلق وشر مطلق، وهو نمط قريب من آليات الدفاع البدائية في التحليل النفسي، لكنه ظل جزءاً من منظومة قرار جماعي.
في المقابل، يقترب ترامب في بنيته النفسية من نماذج قادة الإمبراطوريات المتأخرة، حيث تتفكك الرمزية السياسية، ويتماهى القائد مع الدولة، وتنهار المسافة بين «الذات» و«السلطة». شخصيات تاريخية كهتلر في مراحله المتأخرة، أو موسوليني قبيل الانهيار، أو كاليغولا في روما، لم تكن خطورتها في اضطرابها وحده، بل في تحويل الدولة إلى امتداد لخيالها المرضي، حيث يصبح الواقع الخارجي مطالباً بالتماهي مع رغبة القائد لا العكس.
العالم اليوم يدخل مرحلة مخاض اهتزازي غير مسبوق في هذا القرن، تطال بنيوياً مفهوم الثوابت، وحدود السقوف، ومعنى الخطوط الحمراء في نظام دولي تقوده قوة عظمى تتصرف، للمرة الأولى، بمنطق نفسي غير مستقر. فالولايات المتحدة، التي أدّت تاريخياً دور «المنظِّم العنيف» للتوازن العالمي، تتحوّل تدريجياً إلى فاعل اندفاعي، تحكمه قرارات انفعالية، وسلوكيات ردّية، ويغدو فيها التهديد خطاباً نرجسياً أكثر منه أداة ردع عقلاني.
إن أخطر ما في وجود شخصية مضطربة نفسياً على رأس الإدارة الأميركية لا يكمن فقط في ميلها إلى الصدام، بل في انهيار الوظيفة الرمزية للسلطة ذاتها. فحين تفقد القيادة قدرتها على لعب دور «الأنا الأعلى» للنظام الدولي، يصبح العالم أمام قوة عظمى تحكمها جراح نرجسية غير معالجة، وتُدار قراراتها الكبرى بوصفها آليات دفاع لا خيارات استراتيجية.
في ظل هذا النمط، يصبح الخطأ جزءاً بنيوياً من القرار، ويتحوّل الاستفزاز إلى لغة حكم، وتغدو السياسة الخارجية مسرحاً لتفريغ القلق لا لإدارته. ومع تراكم هذه الدينامية، لا يواجه العالم خطر حرب واحدة كبرى، بل خطر انهيار قابلية التنبؤ ذاتها، ما ينقل النظام الدولي من فوضى مُدارة إلى فوضى انفلاتية.
إنها لحظة لا تهدّد استقرار العالم فحسب، بل تكشف أيضاً هشاشة الإمبراطورية حين يتحوّل رأسها من مركز عقلاني لإدارة القوة، إلى ذات قلقة تستخدم العالم مرآة لتثبيت صورتها المتصدعة.
* كاتب سياسي