بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 كانون الثاني 2026 12:00ص إسرائيل الصاعدة... الهيمنة الاستعمارية تتحوّل إلى تهديد عالمي؟!

حجم الخط
عباس المعلم

لم يعد كيان الاحتلال الإسرائيلي مجرّد كيان وظيفي أُنشئ لخدمة توازنات إقليمية مؤقتة، ولا قاعدة متقدمة للنفوذ الغربي في الشرق الأوسط فحسب، بل بات مشروعاً استعمارياً متكاملاً يسعى إلى إعادة تعريف موقعه في النظام الدولي، والانتقال من خانة «الدولة المدعومة» إلى مرتبة القوّة الصاعدة ذات القدرة الذاتية على فرض الوقائع وصناعة النفوذ. إن التحوّل الجاري في سلوك كيان الاحتلال لا يمكن فصله عن لحظة عالمية تتراجع فيها الضوابط القانونية والأخلاقية، ويتآكل فيها مفهوم السيادة لصالح من يمتلك التفوّق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، ما أتاح لإسرائيل هامشاً واسعاً لتحويل فائض قوتها إلى مشروع هيمنة شاملة.
لقد تجاوز كيان الاحتلال منذ سنوات مفهوم الأمن الدفاعي، وانتقل إلى بناء منظومة نفوذ عابرة للجغرافيا، قوامها التغلغل الاستخباراتي، والسيطرة التقنية، واختراق البنى الأمنية والاقتصادية للدول الهشّة. لم تعد الدبابة هي الأداة المركزية، بل الشبكات الأمنية السرية، والقدرات السيبرانية، وأنظمة المراقبة، والطائرات المسيّرة، والحرب الهجينة التي تُدار عن بُعد وبكلفة سياسية شبه معدومة. هذا النموذج الاستعماري الجديد مكّن إسرائيل من التمدد في القرن الإفريقي، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط، تحت عناوين برّاقة كـ«مكافحة الإرهاب» و«حماية الملاحة الدولية»، فيما الهدف الحقيقي هو السيطرة على الممرات الحيوية، وتطويق العمق العربي، والتحكّم بعُقد التجارة والطاقة العالمية. في هذا السياق، لا يمكن قراءة التوسّع الإسرائيلي في إفريقيا والبحار الدافئة كتحركات منفصلة، بل كجزء من عقيدة أمن قومي جديدة تقوم على خلق عمق استراتيجي خارجي، وتعويض ضيق الجغرافيا بتفوّق نوعي في الاستخبارات والتكنولوجيا. لقد نجح كيان الاحتلال في بناء شبكات نفوذ داخل مؤسسات أمنية وعسكرية واقتصادية في عدد من الدول، ما يمنحه قدرة غير مسبوقة على التأثير في قراراتها السيادية، وتحويلها إلى ساحات نفوذ غير معلن، تُدار من خلف الستار لا من فوق الأرض.
وفي موازاة هذا التمدد الأمني، أعاد كيان الاحتلال هندسة تحالفاته الدولية، ليس من موقع التابع بل من موقع الشريك الطامح إلى قيادة. إن تحالفاته في شرق المتوسط، وتوسّعه في مجال الطاقة والغاز، ليست مجرد خيارات اقتصادية، بل أدوات جيوسياسية تهدف إلى فرض إسرائيل كمركز ارتكاز إقليمي لا يمكن تجاوزه، وإلى تهميش أي دور عربي مستقل في المعادلات الاستراتيجية الجديدة. بهذه الطريقة، يتحوّل الاحتلال من مشكلة سياسية إلى «حقيقة بنيوية» في منظومة الأمن والطاقة العالمية.
الأخطر من ذلك أن المشروع الإسرائيلي لم يعد موجّهاً فقط ضد العرب أو دول الإقليم، بل بدأ يلامس خطوط التماس مع مصالح الغرب نفسه، بما فيها الولايات المتحدة. فكيان الاحتلال يسعى بوضوح إلى بناء قدرات ذاتية خارقة في التصنيع العسكري والتكنولوجي، تقلّص اعتماده على الخارج، وتمنحه استقلالية القرار الاستراتيجي. وقد جاء إعلان وزير الحرب الإسرائيلي قبل أيام عن نيّة إنفاق نحو 350 مليار دولار خلال السنوات المقبلة لتعزيز قدرات التصنيع والتسلح الذاتية، وتقليص الاستيراد العسكري، ليؤكد أن إسرائيل لا تريد أن تبقى مجرد متلقٍّ للدعم، بل تطمح إلى التحوّل إلى قطب صناعي - عسكري مكتفٍ ذاتياً، وقادر على المنافسة في سوق السلاح والتكنولوجيا العالمية.
هذا المسار، إن اكتمل، سيحوّل إسرائيل من أداة في الاستراتيجية الغربية إلى لاعب قد يصطدم مستقبلاً بمصالح حلفائه أنفسهم. فالدول العظمى لا ترحّب عادة بظهور قوى صاعدة مستقلة داخل فضائها الاستراتيجي، خصوصاً إذا امتلكت تفوّقاً نوعياً في مجالات حسّاسة كالأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والصناعات العسكرية المتقدمة، والتحكّم بالبيانات. من هنا، فإن خطر تحوّل إسرائيل إلى قوة عظمى ليس تهديداً للعرب وحدهم، بل عامل اختلال محتمل في بنية النظام الغربي ذاته.
اقتصادياً وتكنولوجياً، يعمل كيان الاحتلال ضمن منظومة معقّدة من العلاقات العابرة للحدود، تشمل شركات كبرى في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والصناعات الرقمية، وسلاسل التوريد، والطاقة، والمواد الخام الأساسية للصناعات الحديثة. وتشير تحليلات سياسية ‑ اقتصادية متداولة في مراكز أبحاث غربية إلى أن جزءاً مهماً من هذه المنظومة تدعمه شبكات رأسمالية دولية ذات ارتباط سياسي ومالي وثيق بإسرائيل، بعضها معلن وبعضها يعمل في الظل، خارج التصنيفات التقليدية لثروات الأفراد والدول. هذه الشبكات، بحكم نفوذها في الأسواق العالمية ومراكز القرار الاقتصادي، توفر لكيان الاحتلال مظلة حماية إضافية، وتمكّنه من امتصاص الضغوط، والتأثير في السياسات، وتوجيه الاستثمارات بما يخدم مشروعه الاستراتيجي.
إن خطورة هذا الواقع لا تكمن فقط في حجم القوة التي يراكمها كيان الاحتلال، بل في طبيعة هذه القوة: قوة مركّبة، ذكية، وغير مرئية في كثير من الأحيان، قادرة على التحكّم دون احتلال، وعلى الإخضاع دون حرب، وعلى إعادة تشكيل الدول والمجتمعات عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن بدل الجيوش. نحن أمام استعمار جديد بملامح حديثة، لا يرفع علمه فوق الأرض، بل يزرع أدواته في العقول والمؤسسات والبنى التحتية.
إن الصمت عن هذا المسار، أو التعامل معه كأمر واقع، أو تسويقه تحت عناوين الواقعية السياسية، لا يعني سوى منح كيان الاحتلال الوقت اللازم لاستكمال انتقاله من كيان استعماري مدعوم إلى قوة عالمية منافسة. التحذير هنا ليس خطاباً أيديولوجياً، بل قراءة باردة لمسار واضح: من لا يواجه هذا المشروع في مراحله الصاعدة، سيجد نفسه لاحقاً أمام قوة لا تُردع، ولا تُحتوى، ولا تكتفي بدورها الوظيفي، بل تفرض وصايتها على الإقليم... وربما على من ظنّ يوماً أنه راعيها..