بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 كانون الثاني 2026 12:15ص إسرائيل بين السويداء وأرض الصومال: استراتيجية النفوذ الإقليمي وإعادة رسم بيئة الصراع

حجم الخط
لم يعد التحرك الإسرائيلي في القرن الإفريقي مجرّد إعلان نوايا أو خطوة استكشافية، بل تطوّر إلى اعتراف علني وصريح بجمهورية أرض الصومال، في خرق واضح للإجماع الدولي والإفريقي. ولا يمكن قراءة هذا الاعتراف كحدث دبلوماسي معزول، بل كحلقة متقدمة في استراتيجية إسرائيلية أوسع لإعادة تشكيل بيئة الصراع الإقليمي، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع انسداد غير مسبوق في المسار السياسي للقضية الفلسطينية، ورفض مصري قاطع لأي محاولة لتوطين فلسطينيي غزة في سيناء، ومع المبادرة السعودية - الفرنسية في الأمم المتحدة التي سعت لحشد اعتراف دولي واسع بالدولة الفلسطينية، والتي اعتُبرت في تل أبيب ضربة دبلوماسية كبرى.
في هذا السياق، يبرز الأردن مجدّداً كعنصر مركزي في الحسابات الإسرائيلية، ليس فقط بوصفه دولة جوار، بل باعتباره امتداداً تاريخياً لفكرة «الأردن هو البديل» التي رُفعت صراحة في سبعينات القرن الماضي، وترافقت لاحقاً مع مسار تشريعي وسياسي هدف إلى ترسيخ يهودية الدولة. ويتقاطع هذا المسار مع غضّ إسرائيل النظر عن التسيّب الأمني المقصود في السويداء السورية، واستخدام الفواعل غير الدولتية واقتصاد التهريب كأدوات ضغط غير مباشر تُضعف بيئات الاستقرار المحيطة بالأردن وسوريا معاً، دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.
في الوقت ذاته، يحمل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال رسالة استراتيجية مباشرة إلى المملكة العربية السعودية، تمسّ أحد أكثر ملفاتها حساسية، وهو الأمن القومي البحري في البحر الأحمر، عبر إمكانية إقامة موطئ قدم عسكري أو استخباراتي إسرائيلي على السواحل المقابلة للمملكة. ويبدو هذا الاعتراف جزءاً من رد هجومي دبلوماسي إسرائيلي على المبادرة السعودية - الفرنسية، يعيد توجيه الصراع من المسار السياسي إلى المجال الجيوسياسي البحري.
يسعى هذا المقال إلى تفكيك الترابط البنيوي بين الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وإدارة الفوضى في الجنوب السوري، والضغط غير المباشر على الأردن ومصر والسعودية، بوصفها عناصر متكاملة في استراتيجية واحدة لا تهدف إلى حسم الصراع، بل إلى إعادة ضبط توازناته الإقليمية على المدى الطويل.

أولاً: الجذور التاريخية لفكرة «الأردن كحل بديل»

تبلورت فكرة «الأردن هو فلسطين» في الخطاب السياسي الإسرائيلي بعد حرب 1967، وازدادت وضوحاً عقب أحداث أيلول الأسود عام 1970. فقد رأت قطاعات مؤثرة من النخبة الإسرائيلية أن أي كيانا فلسطينيا مستقلا غرب نهر الأردن يشكّل تهديداً وجودياً للطابع اليهودي للدولة، وأن الحل الأمثل يكمن في إزاحة المعضلة الديموغرافية شرقاً، ولو بصورة غير مباشرة.
لم تكن هذه الفكرة معزولة عن السياق التشريعي والسياسي الإسرائيلي، بل ترافقت مع سياسات هدفت إلى ترسيخ يهودية الدولة عبر قوانين الهجرة والعودة، وضبط التوازن الديموغرافي، وصولاً إلى تتويج هذا المسار بقانون «إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي»، الذي أغلق نظرياً الباب أمام أي تصور لدولة ثنائية القومية، وفتح عملياً المجال أمام حلول إقليمية بديلة.

ثانياً: الأردن في قلب الاستراتيجية الإسرائيلية المعاصرة

لا تنظر إسرائيل إلى الأردن بوصفه خصماً مباشراً، بل باعتباره ساحة توازن هشّ يمكن التأثير فيها عبر أدوات غير مباشرة، ويتجلّى ذلك في نمطين رئيسيين من الضغط:
1. ضغط سياسي وديموغرافي ناتج عن تعطيل أي أفق واقعي للدولة الفلسطينية.
2. ضغط أمني غير مباشر مصدره تفكك البيئات المحيطة بالأردن، ولا سيما الجنوب السوري.
في هذا الإطار، لا يصبح استقرار الأردن هدفاً استراتيجياً ثابتاً، بل عنصراً قابلاً لإعادة التوظيف ضمن معادلات إقليمية أوسع.

ثالثاً: السويداء السورية كمساحة إدارة فوضى

يشكّل غضّ إسرائيل النظر عن التسيّب الأمني المتنامي في السويداء جزءاً من مقاربة أوسع تهدف إلى منع إعادة إنتاج دولة مركزية قوية في الجنوب السوري، فالسويداء ليست مجرد مساحة داخلية سورية، بل عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها المصالح السورية والأردنية والإسرائيلية.
1. التسيّب الأمني كأداة ضغط مزدوجة:
يسهم الانفلات الأمني في السويداء في:
• إرباك البيئة الأمنية الأردنية واستنزاف قدرات الدولة.
• إضعاف دمشق عبر تحويل الجنوب إلى عبء أمني واقتصادي دائم.
2. تسليح الفواعل غير الدولتية واقتصاد الفوضى:
تشير قراءات وتحليلات إقليمية إلى انخراط إسرائيل في تسليح مجموعات محلية انفصالية في الجنوب السوري، تضم في بنيتها عناصر ذات خلفيات متباينة، من بينها:
• ضباط سابقون في نظام الأسد سبق لبعضهم أن أقاموا قنوات تواصل غير مباشرة مع إيران.
• شخصيات محورية في شبكات تهريب الكبتاغون والسلاح.
هذا التداخل بين الانفصال السياسي واقتصاد الجريمة المنظمة لا يبدو عارضاً، بل يخدم هدفاً استراتيجياً يتمثل في:
• تفكيك احتكار الدولة السورية للعنف.
• تحويل تهريب الكبتاغون إلى أداة زعزعة إقليمية تمتد آثارها إلى الأردن.
• خلق فضاء أمني سائل يسمح بالتوظيف السياسي عند الحاجة.
ويمنح هذا النموذج إسرائيل هامش إنكار سياسي، عبر الاعتماد على وسطاء محليين وشبكات غير رسمية، بما ينسجم مع عقيدة إدارة الصراع بدل حسمه.

رابعاً: أرض الصومال والبُعد البحري للاستراتيجية الإسرائيلية

يمثل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال انتقالاً نوعياً في التوجه الاستراتيجي نحو القرن الإفريقي، حيث تشكّل المنطقة امتداداً مباشراً للأمن القومي الإسرائيلي، نظراً لأهميتها في:
• الإشراف على باب المندب.
• مراقبة خطوط الملاحة في خليج عدن.
• الاقتراب غير المباشر من مدخل قناة السويس.
وقد جاء هذا الاعتراف في ظل موقف أميركي متحفّظ، إذ أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أنه لن يجاري إسرائيل في الاعتراف، لكنه أشار إلى دراسة إمكانية إنشاء قاعدة بحرية أمريكية في الإقليم، ما يعكس رغبة واشنطن في الاستفادة من الموقع الجيوسياسي دون تحمل كلفة الاعتراف السياسي.

خامساً: تطويق مصر والسعودية وإعادة هندسة المجال الإقليمي

لا يمكن فصل الاعتراف بأرض الصومال عن رفض مصر القاطع توطين فلسطينيي غزة في سيناء، وكذلك عن الرسالة المباشرة الموجهة إلى السعودية. فمن منظور جيوسياسي، يتيح التمدد الإسرائيلي في القرن الإفريقي:
• ممارسة ضغط غير مباشر على القاهرة، وإعادة توزيع مراكز الثقل في البحر الأحمر.
• رفع كلفة التحرك الدبلوماسي السعودي في ملف فلسطين بعد المبادرة السعودية - الفرنسية في الأمم المتحدة، التي حاولت حشد اعتراف دولي واسع بالدولة الفلسطينية.
• فتح الباب أمام إمكانية إقامة قاعدة عسكرية أو استخباراتية إسرائيلية على السواحل المقابلة للسعودية، ما يمسّ الأمن البحري السعودي مباشرة.
يُظهر هذا أن الاعتراف بأرض الصومال لا يقتصر على بُعد جغرافي أو بحري، بل هو رد هجومي دبلوماسي استراتيجي يعيد توجيه الصراع السياسي إلى المجال الجيوسياسي البحري والأمني.
ختاماً، تكشف القراءة المتكاملة لمسارات السويداء، الأردن، وأرض الصومال عن استراتيجية إسرائيلية واحدة متعددة الساحات، تقوم على:
• ترسيخ يهودية الدولة داخلياً.
• إدارة القضية الفلسطينية عبر الإزاحة الجغرافية لا التسوية السياسية.
• استخدام الفواعل غير الدولتية واقتصاد الجريمة (المخدرات) كأدوات نفوذ.
• التمدد البحري في القرن الإفريقي لتطويق الخصوم الإقليميين.
• توجيه رسائل دبلوماسية واضحة إلى السعودية والمحيط العربي، مع الحفاظ على هامش إنكار سياسي.
إنها استراتيجية لا تقارب السلام العادل في الإقليم كما لا تسعى إلى إعادة رسم الخرائط دفعة واحدة، بل إلى إعادة تشكيل بيئة الصراع تدريجياً، بما يجعل الاستقرار الإقليمي هشّاً، وقابلاً لإعادة التوظيف في أي لحظة وفق مصالح الأمن القومي الإسرائيلي طويلة المدى.

* أكاديمي/ باحث في الشؤون الجيوسياسية