حبيب البستاني
كان لافتاً ما حدث على شاطىء بونداي الشهير في مدينة سيدني في أستراليا حيث هاجم متطرف داعشي وإبنه مجموعة من اليهود كانوا يحتفلون بالحانوكا، وهو عيد يهودي يرمز إلى إعادة تدشين الهيكل الثاني في القدس، وقد أسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 16 يهودياً وإصابة حوالي 40 بجراح. الحادث الذي هزّ الجاليات اليهودية في مختلف العواصم الأوروبية والأميركية والذي وصف بالإرهابي وضد السامية، والذي نسبته إسرائيل إلى إيران والمتطرفين الإسلاميين ترافق مع موقف لافت لأحد المسلمين الأستراليين الذي صودف وجوده في مكان الحادث، والذي قام بمهاجمة المعتدي وتمكن من الحؤول دون الاستمرار في عملية القتل والذي أدّى إلى إصابته بجروح بالغة. ومهما قيل في الحادث ومهما تم تداوله عن مواقف المسلمين من اليهود وموقفهم من السامية، فإن العِبَر مما جرى هو أنه كما يوجد متطرفون إسلاميون فإنه كذلك يوجد مسلمون يتحلّون بالروح الإنسانية وذلك بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية. والسؤال المطروح هل من الممكن حماية الأقليات وخاصة اليهود في مناطق تواجدهم؟
إسرائيل والنشأة العنصرية
تتسم الدولة العبرية ومنذ نشأتها بالعنصرية، فهي دولة دينية بالمعنى الضيق للكلمة وهي تعتبر اليهودية دين ودنيا في آن معاً، ويُعتبر التلمود بمثابة دستور الدولة العبرية، فإسرائيل هي عبر التاريخ «أرض الميعاد» وهي تُعتبر منذ العام 1948 دولة اليهود، وذلك كما نص وعد بلفور وهو تصريح تاريخي بريطاني تعهدت فيه حكومة بريطانيا في العام 1917 بدعم تأسيس «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين وقد أرسله وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد، وضمنته في صك الانتداب ليمهّد الطريق لإقامة دولة إسرائيل. واللافت أنه وفي مختلف مراحل الشعب اليهودي، كان هذا الشعب مضطهداً مما اضطره إلى التنقل في مختلف أصقاع منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا والصحراء العربية، بحثاً عن واحة ينعم فيها بالسلام والاطمئنان. أما وبُعيد إنشاء دولة إسرائيل تخلّى اليهود وزعمائهم عن المسيرة السلمية لشعبهم واستبدلوا واحات السلام بدولة توسعية قوامها الحرب سبيلاً وحيداً لتحقيق الأمان.
اليهود في إسرائيل والعالم
يبلغ عدد اليهود في العالم حوالي 16 مليون نسمة يعيش فيهم في إسرائيل حولي 7.3 مليون نسمة فيما يعيش في الولايات المتحدة وهي تشكّل أكبر جالية يهودية حوالي 6.3 مليون يهودي، فيما يتوزع بقية اليهود على مختلف بلدان العالم من أوروبا إلى أستراليا وغيرها. وقد أدّت عمليات إبادة اليهود المعروفة بالهولوكست في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية على أيدي النازيين إلى تقليص عدد اليهود وحدّت من تطورهم الديمغرافي بشكل ملحوظ، وهذا الخوف المتحكم باللاوعي عند الشعب اليهودي حدت بحكامهم للجوء إلى القوة مخافة اضمحلالهم، فكانت حروب إسرائيل المتكررة ضد جيرانها العرب خير دليل على ذلك، وأصبحت الحرب سمة من سمات الدولة العبرية، هذه الحروب التي تتكرر بسبب أو بدون سبب.
حرب غزة والانزلاق إلى تصادم الحضارات
شكّلت حرب غزة وما رافقها من عنف وبطش ومن ازدياد كبير في عدد الضحايا والمهجرين، نقطة اختبار كبيرة للدول الغربية. فالدول الغربية التي التزمت بحماية إسرائيل كونها الدولة الضعيفة المعتدى عليها والمهدّدة من قبل العالمين الإسلامي والعربي، أصبحت هذه الدول في مأزق كبير فهي من جهة تريد حماية الدولة اليهودية ومن جهة ثانية لا تريد الحرب فقط للحرب. فالولايات المتحدة الداعم الأكبر لإسرائيل باتت في مشكلة كبيرة تجاه حلفائها في العالم العربي، لا سيما السعودية وقطر ودول الخليج، وأصبح التباين الاستراتيجي كبيراً بين أميركا تريد الحرب سبيلاً للسلام وإسرائيل التي تريد الحرب سبيلاً لإخضاع المنطقة العربية. فالرئيس الأميركي ترامب يريد الاتفاقات الإبراهيمية بين إسرائيل والعالم العربي، ولقد استطاعت الدول العربية لا سيما ولي العهد السعودي من فرض معادلة جديدة على الولايات المتحدة تقوم على مبادلة الاتفاقات الإبراهيمية بحل الدولتين. مما يعني أن الدول العربية لا تستطيع المضي بسياسة التطبيع مع إسرائيل بدون إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. فأميركا لا تستطيع تحمّل صراع حضارات بين الشرق والغرب، فالرئيس الأميركي ينادي بالسلام في كل العالم من أوكرانيا وصولاً إلى غزة وفلسطين والدول العربية.
إن سياسة الحرب التي تتبعها الدولة العبرية سقطت وأنه لا سبيل للمضي فيها إلى ما لا نهاية، وبالتالي ينبغي على إسرائيل اتباع سياسة السلام ليس فقط من أجل حماية سكانها، إنما من أجل حماية كل يهود العالم المعرضين للاستهداف وذلك كردّ فعل على أعمال إسرائيل العدوانية.