في خطوة قضائية ذات دلالة سياسية وأخلاقية كبيرة، قضت محكمة الاستئناف في باريس صباح يوم الخميس الموافق 17 تموز 2025، خلال جلسة مغلقة عُقدت في قصر العدل، بالإفراج الفوري عن المناضل اللبناني جورج إبراهيم عبد االله، الرمز البارز في حمل لواء قضية فلسطين والمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. ويأتي هذا القرار لينهي صفحة مظلمة امتدت لنحو 41 عاماً قضاها عبد االله خلف القضبان، ليصبح أقدم سجين سياسي في فرنسا على الإطلاق.
ومن المقرر أن يرى عبد االله، الذي اعتُقل عام 1984 وحُكم عليه عام 1987 بالسجن المؤبد بتهمتي التواطؤ في اغتيال الدبلوماسي الإسرائيلي ياكوف بارسيمانتوف والدبلوماسي الأميركي تشارلز راي عام 1982، نور الحرية في 25 تموز الجاري. ويُعتبر هذا القرار انتصاراً لإرادة القضاء الفرنسي المستقل، الذي تمكّن أخيراً من تحرير نفسه من شباك الضغوط السياسية المكثفة والمستمرة التي مارستها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل طوال هذه العقود لمنع إطلاق سراحه، متجاهلتين مبادئ العدالة وحقوق الإنسان الأساسية.
لكن لم يكن طريق الحرية مفروشاً بالورود. ففي منعطف دراماتيكي في شباط الماضي، أجّلت المحكمة قرارها المتوقع بالإفراج عنه في اللحظات الأخيرة، مشترطةً أن يبذل عبد االله «جهداً كبيراً» مسبقاً لتعويض الأطراف المدنية - وهو شرط اعتبره المؤيدون مجحفاً وذريعة سياسية. غير أن المناضل اللبناني، المتمسّك بمبادئه كالصخرة، رفض مرة أخرى وبشكل قاطع تقديم أي تنازل يمسُّ قناعاته أو يلطّخ سجل نضاله. وهو لم يُقرّ يوماً بتورّطه المزعوم في العمليتين، اللتين ظلّ يصفهما باستمرار - في تصريحاته القضائية المؤثرة - بأنهما أعمال «مقاومة مشروعة» ضد آلة القمع الإسرائيلية والأميركية، التي جاءت في سياق الاجتياح الإسرائيلي الوحشي لجنوب لبنان عام 1978، وتمادي الاحتلال في انتهاك سيادة لبنان وكرامة أبنائه.
وقد تجاوزت مدّة اعتقال جورج عبد االله (74 عاماً) الـ 40 عاماً، وهي مدة غير مسبوقة في تاريخ السجناء السياسيين في فرنسا المعاصر، بل وتجاوزت بكثير المدة التي يقضيها عادةً من يُحكم عليهم بالسجن المؤبد (والتي غالباً ما تتراوح بين 15 و22 سنة قبل النظر في الإفراج المشروط). والأمر الأكثر لفتاً للنظر أن عقوبته الأصلية لم تكن «مؤبداً حقيقياً» يستحيل معه الإفراج قبل مدة محددة قانوناً (كما في جرائم معينة)، بل كان «مؤبداً للاستعراض فقط». كما أن طبيعة التهم نفسها - التواطؤ وليس القتل العمد - تجعل مدة السجن هذه أكثر استثنائية وإجحافاً، خاصةً مقارنةً بسجناء سياسيين أو حتى مدانين بجرائم خطيرة أُطلق سراحهم بعد سنوات أقل بكثير.
غير أن اللافت في هذه القضية هو إصرار القضاة الفرنسيين، عبر جلسات متعددة على مرِّ السنين، على المطالبة بالإفراج عن عبد االله – وهو أمر نادر الحدوث في قضايا من هذا النوع. وفي كل مرّة، كان القضاة الفرنسيين يوصون بترحيله إلى لبنان، إلّا أن وزير الداخلية الفرنسي، خضوعاً للابتزاز الأميركي والإسرائيلي، كان يرفض ذلك. ويبدو أن جزءاً من إصرار القضاء يعود إلى تقليد فرنسي راسخ - وإن كان غير مكتوب - في احترام الدوافع الوطنية والسياق السياسي لأعمال المقاومة ضد الاحتلال والظلم، متى ثبتت تلك الدوافع. وهنا يستذكر القانونيون التاريخ القضائي الفرنسي في حادثة اغتيال الزعيم الأوكراني المعادي للسامية سيمون بيتليورا على يد اليهودي شموئيل شوارزبيرد في باريس عام 1926، حيث برّأته هيئة المحلفين الفرنسية تماماً، معتبرة فعلته دفاعاً مشروعاً عن النفس والشعب اليهودي ضد معاداة السامية؛ حيث رأى الكثيرون في قضية عبد االله صدى لهذه السابقة، كونه تصرف بدافع مقاومة الاحتلال والعدوان.
إن ما يزيد من رمزية جورج عبد االله هو طريقته الأخلاقية الصلبة في التعامل مع قضيته طوال عقود الأسر. ففي كل مرة وقف أمام القضاء، أعلن بكل فخر ووضوح: «لقد قمت بعمل وطني دفاعاً عن شعبي وبلدي ضد الاحتلال، وليس لي أن أعتذر أو أعبّر عن ندم على ذلك. وإن عادت إسرائيل لاحتلال لبنان، فسأفعل الشيء نفسه دون تردد». ولم تكن هذه الشجاعة الأخلاقية حكراً على مواقفه العلنية؛ فداخل جدران السجن، تحوّل عبد االله إلى مرجعية أخلاقية وسياسية، يُحترم من قبل السجناء على اختلاف مشاربهم، بل وحتى من قبل حراس السجن أنفسهم، الذين يُعرف عنهم مشاعر الإعجاب والاحترام العميق التي يكنّونها لـ «المعلم» و«الرجل المستقيم» و«صاحب المبدأ» الذي لم ينكسر أو يتزحزح عن قناعته قيد أنملة.
وهكذا، يخطو جورج إبراهيم عبد االله، في 25 تموز، نحو الحرية التي انتظرها أربعة عقود، بعد أن انتصرت إرادة القضاء الفرنسي المستقل أخيراً على الضغوط الخارجية. إنها لحظة تاريخية يُبارك فيها للمناضل الصلب، ولعائلته التي وقفت إلى جانبه، ولبلدته القبيات في عكار شمال لبنان، التي ظلت وفيّة له ولمبادئه، ولم تتخلَّ عن نضاله الوطني الذي يُعدّ جزءاً لا يتجزأ من سجل المقاومة اللبنانية البطولي ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، والذي توّج بتحرير معظم الأراضي المحتلة عام 2000.
وهنا، لا بدّ في هذه اللّحظة الفارقة من توجيه تحية إجلال وإكبار إلى حركات التضامن اللبنانية والفرنسية والدولية - من منظمات حقوقية وجمعيات وناشطين - الذين رفعوا لواء قضية تحرير جورج عبد االله سنوات طويلة، ونظموا الحملات والوقفات والندوات، وضغطوا على الحكومات، ولم يملّوا أو يكلّوا، رغم التجاهل المتعمّد والمخزي من قبل بعض الحكومات لهذه القضية الوطنية العادلة. وفي الختام، نشدّد على مسألة أن تحرير جورج عبد االله هو انتصار لصموده الأسطوري الذي حطّم قضبان السجن بالإرادة، وانتصار لرفضه تقديم أي تنازل عن كرامته وقضيته، وهو قبل كل شيء انتصار لقوة التضامن الإنساني والعدالة التي لا تُقهر.