المحامية رنا عمر زين*
في يوم الاستقلال، أعبّر عن إيماني بأن الدفاع عن الإنسان وحقوقه هو أعلى أشكال الوفاء للبنان. أقف أمام ذاكرة وطنٍ صاغ أبنائه حكاية الحرية بالدم والإصرار، وأمام تضحيات رجالٍ ونساءٍ جعلوا من الكرامة الإنسانية أساس قيام الدولة.
فالاستقلال، بمعناه العميق، ليس فقط نهاية مرحلة استعمارية، بل هو بداية مشروع دولة تؤمن بأن المواطن هو الغاية والوسيلة، وأن الكرامة الإنسانية هي القانون الأسمى فوق كل القوانين.
ومن موقع عملي في ساحات العدالة، أرى بوضوح أنّ الحرية ليست نصاً دستورياً فقط، بل ممارسة يومية تتجسّد في حماية الحقوق، وفي بناء مؤسسات شفافة ونزيهة تحمي الإنسان قبل أن تحمي السلطة.
إنّ الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلّا حين تُصان حقوق الإنسان دون تمييز، وحين يشعر كل فرد بأن له مكاناً في وطنه، وصوتاً مسموعاً، وحقاً مصاناً، وعدالة تُطبق على الجميع بلا خوف ولا محاباة. فالحرية لا تُقاس بالشعارات، بل بالقوانين التي تُطبّق، وبالمؤسسات التي تُحاسب، وبالمواطن الذي يعيش بكرامة تحت سقف دولة عادلة.
وقد أثبت التاريخ أنّ الأوطان التي تُهمل حقوق الإنسان تُفقد استقلالها تدريجياً، ليس بالاحتلال العسكري فقط، بل باحتلال الفساد والظلم والانقسام. أمّا الأوطان التي تُعلي قيمة الإنسان، فهي التي تبقى حرّة وقوية، مهما اشتدّت الأزمات.
إنّ لبنان الذي وُلد من رحم النضال، لن ينهض من أزماته إلّا حين تصبح حقوق الإنسان أولوية وطنية، وحين نُدرك أنّ القانون ليس سيفاً يُشهر في وجه الضعيف، بل درعاً يحميه، وأن العدالة هي العمود الفقري للاستقلال، وحقوق الإنسان هي قلبه الذي يضخ الحياة في جسد الدولة.
وفي هذا اليوم المجيد، نجدّد العهد بأن نكون جنوداً للكلمة الحق، وحراساً للعدالة، وصوتاً لكل مظلوم، وأن نحمي استقلال لبنان من خلال الدفاع عن إنسانه وعن كرامته ومؤسساته، وعن حقه قبل أي اعتبار آخر.
فالاستقلال ليس مجرد ذكرى...
بل مسؤولية نحملها، والتزام نعيشه، ورسالة نسلّمها للأجيال القادمة.
كل عيد استقلال ولبنان أكثر عدلاً...
وكل مواطن فيه أكثر حرية وكرامة...
وكل محامٍ ومحامية فيه أكثر إصراراً على جعل القانون طريقاً إلى وطنٍ يليق بأبنائه.
* باحثة قانونية في شؤون حقوق الإنسان