بيروت - لبنان

اخر الأخبار

7 تشرين الثاني 2025 12:20ص الانتخابات بين الكفاءة و الانتماء.. من نيويورك إلى بيروت

حجم الخط
شكّل انتخاب زهران ممداني رئيسًا لبلدية نيويورك خطوة لافتة ترمز إلى تحوّل عميق في الوعي السياسي الأميركي، إذ جسّد هذا الفوز تغليب الكفاءة والبرنامج الانتخابي على الانتماء الحزبي أو الديني. لقد مثّل انتخابه انتصارًا لفكرة أن الإرادة الشعبية قادرة على تحدي السلطة مهما بلغت قوتها، إذا ما ابتعدت عن هموم الناس وتطلعاتهم.
ما يجعل هذه التجربة مميزة هو أنها حدثت في نيويورك، المدينة التي كانت تُعتبر معقلًا للتيار المؤيد للرئيس السابق دونالد ترامب. ومع ذلك، اختار الناخبون هذه المرة مرشحًا قدّم برنامجًا واقعيًا يعالج قضاياهم اليومية، من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية إلى سياسات المال والضرائب التي طالما خضعت لنفوذ «حيتان المال». وقد استطاع ممداني كسب دعم شرائح واسعة من الأقليات، بما في ذلك الناخبون اليهود الذين ابتعد بعضهم عن التحالف التقليدي بين ترامب ونتنياهو، ما جعل النتيجة بمثابة تصويت للكفاءة والتجديد لا اللهوية والانتماء.
إن هذه التجربة تستحق التوقف عندها في لبنان أيضًا، حيث يقترب الاستحقاق الانتخابي وسط مخاوف القوى التقليدية من انقلاب في المزاج الشعبي، دفعها إلى محاولة الحدّ من مشاركة المغتربين خشية تراجع نفوذها. فالأحزاب التي تمسك بمفاصل الحياة السياسية ما زالت تتعامل مع الانتخابات كوسيلة لتكريس سلطتها، لا كفرصة للمحاسبة والتجديد. وهي تعطي الأولوية للحفاظ على تمثيلها النيابي بدل تطوير أدائها وخدمة ناخبيها.
لا خلاف على  أهمية الأحزاب في أي نظام ديمقراطي، إذ لا يمكن للحياة السياسية أن تستقيم دونها. غير أن المطلوب اليوم هو إعادة تعريف مفهوم التمثيل الحزبي على أساس الكفاءة والمحاسبة، لا الولاء والطاعة. فحين يشعر السياسي أن موقعه مهدّد إن قصّر، يتحوّل الخوف من خسارة السلطة إلى حافز لتحسين الأداء. أما إذا بقي المواطن أداة في يد الزعيم، فإن الوطن سيبقى رهينة للمصالح الخاصة.
ويبقى السؤال المطروح: هل سيتمكن الناخب اللبناني من كسر الطوق المفروض عليه واستعادة زمام المبادرة ليكون شريكًا في الإصلاح وبناء الدولة؟ أم سيستسلم لمن يشتري صوته ببضع خدمات؟
كما قال عبد الرحمن الكواكبي:«الأمة التي لا يشعر كل فرد فيها بأنه صاحب الحق في مراقبة حكامه، أمة عرفت طريق الاستعباد وسارت فيه طائعة».
فلعلّ انتخابات اليوم تكون نقطة تحوّل نحو وطنٍ يختار كفاءاته لا طوائفه، ويحاسب ممثليه لا يبرِّر لهم، وطنٍ يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة التي تخدم مواطنيها، لا الزعامات التي تستهلكهم.