بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 كانون الثاني 2026 12:10ص التدخل الأميركي في فنزويلا بين منطق القوة وقوة القانون

حجم الخط
علّق الكاتب السياسي الأميركي المعروف Francis Fukuyama على العملية العسكرية التي نفذّتها الولايات المتحدة في فنزويلا بتاريخ 3/1/2026 وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي «مادورو» قائلاً أنها أدّت إلى دفن معاهدة وستفاليا للعام 1648 والتي وضعت أسس النظام الدولي الحديث والمتضمنة مبدأ السيادة الوطنية وعدم تدخّل الدول في شؤون بعضها البعض وحلّ النزاعات بالطرق السلمية، كما أضاف أن هذه العملية التي نتج عنها اعتداء دولة كبرى على دولة أخرى تعني نهاية الليبرالية الديمقراطية وأن الولايات المتحدة بتنفيذها هذه المهمة قد تخلّت عن كل مبادئها الديمقراطية واصفاً إياها بالدولة الامبريالية.
وحيث أن Fukuyama قد تذرّع بمعاهدة وستفاليا ذاكراً أن ما حدث في فنزويلا قد دفن هذه المعاهدة فيجدر بنا القول أن حروباً كثيرة قد نشبت منذ العام 1648 لغاية تاريخه، والتاريخ السياسي حافل بالحروب والعدوانات والنزاعات الدموية ولأسباب عديدة أهمّها النزاع على الحدود والرغبة بالتوسّع الجغرافي والاستيلاء على موارد أولية وتثبيت الهوية الوطنية، وذلك رغم تسليط الضوء في معاهدة وستفاليا على مبدأ عدم تدخّل الدول في الشؤون الداخلية لبعضها ورغم الدعوة إلى حلّ النزاعات بالطرق السلمية.
ولقد أشارت وسائل الإعلام إلى أن أسباب هذا التعدّي الأميركي على فنزويلا هي اتهام فنزويلا وتحديداً الرئيس الفنزويلي بتهريب المخدرات والأسلحة إلى الولايات المتحدة إضافة إلى الحدّ من تدفّقات المهاجرين غير الشرعيين ممّا يهدّد الأمن القومي الأميركي.
إن السؤال الواجب طرحه هنا هو التالي:
هل يحق للولايات المتحدة أن تعتدي على فنزويلا وتعتقل رئيسها بسبب اتهامه بتهريب الأسلحة والمخدرات إليها وبحجة منع هجرة الشعب الفنزويلي إليها بسبب الأزمة الاقتصادية والسياسية. من حيث المبدأ والقانون، لا يحق لها ذلك بل يتوجّب عليها أن تعالج هاتين المعضلتين بطرقها الخاصة من ناحية تشديد رقابتها على الحدود وتعزيز وسائل التفتيش من خلال الطرق التقنية الملائمة.
ولا شكّ أن هذا التدخّل العسكري يشكّل مخالفة صارخة للمواثيق الدولية وعلى الأخص للبند /4/ من المادة (2) من ميثاق هيئة الأمم المتحدة والتي نصّت على أنه «يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على وجه آخر لا يتّفق ومقاصد الأمم المتحدة».
أما السؤال الثاني الذي يطرح نفسه هو الآتي:
هل تشكّل هاتان المعضلتان، أي تهريب الأسلحة والمخدرات وتدفقات المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة خطراً على الأمن القومي الأميركي وتهديداً له؟
نرى من جهتنا أن هاتين المعضلتين تشكّلان بالفعل خطراً على الأمن القومي والمجتمعي وتهديداً لهما.
لكن هل يبرّر ذلك أن تعمد دولة ما تعاني من هاتين المشكلتين إلى القيام بما قامت به الولايات المتحدة من تدخّل عسكري مباشر في فنزويلا؟
ولقد برّرت الولايات المتحدة عملها العسكري في فنزويلا بأنها عملية إنفاذ قانون ضد «مادورو» المتهم بتهريب المخدّرات والاضطهاد غير الشرعي للشعب الفنزويلي.
مهما يكن من أمر فقد نكون بعيدين عن جادة الصواب إذا اعتبرنا أن هذه العملية العسكرية الأميركية تعود في أسبابها فقط إلى الحدّ من تهريب المخدرات والأسلحة إلى الولايات المتحدة. فالطوباوية في السياسة الدولية غير مُرحّب بها، لأن الدول تعمد في غالبيتها إلى التوسّع الجغرافي والسيطرة على الموارد الطبيعية لتحقيق مصالح شعبها على حساب شعوب أخرى.
يقول المؤرخ والفيلسوف الروماني «شيشرون» توجد طريقتان لحلّ المشاكل والنزاعات، الأولى هي الحوار، أما الثانية فهي القوة. لكن في ظلّ فشل الحوار المباشر بين فنزويلا والولايات المتحدة لحلّ أزمتي المخدّرات والأسلحة وتدفقات الهجرة غير الشرعية وعدم قدرة المنظمات الدولية والإقليمية على حلّ هذه المشاكل فهل هذا يجيز للدولة الأقوى أن تلجأ إلى حلّها وتسويتها وفضّها بنفسها؟
في السياسة العالمية القانون شيء أما الواقع فهو حكماً شيء آخر. وإن السوابق التاريخية تبيّن أمثلة عديدة جداً على قيام الدول القويّة بحلّ مشاكلها بنفسها، أي باعتماد القوّة ضد الدول الأخرى التي لا تجاريها في مواقفها، رغم توافر المواثيق الدولية التي تمنع ذلك، وفي هكذا أحوال فما الذي يمنع دولة قوية أو عظمى من التعدّي على دولة صغيرة أو غزوها من أجل تحقيق أهدافها التوسّعية أو غيرها كما حصل مؤخراً في فنزويلا بداية العام 2026.
أما العقاب الوحيد على هذا التصرف العدواني غير القانوني لن يكون سوى الإدانة من الدول المعارضة له. وفي هذا الإطار يجدر بنا أن نتذكّر مقولة «نابوليون»:
‏Principles are fine: They entail no commitment أي أن المبدأ أو القانون جيّد لكن لا يتضمّن أي التزام.
ولا مندوحة لنا من استعراض بعض السوابق التاريخية الدّالة على تعدّي الدول الكبرى على الدول الصغيرة أو الأضعف.
ففي العام 2008 دعمت موسكو الانفصاليين عن جورجيا في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وما حصل أيضاً في أوكرانيا عام 2014. ولا نغالي هنا إذا أشرنا إلى ظاهرة فريدة وغير مألوفة في السياسة العالمية وهي أن دولاً عظمى معروفة بديمقراطيتها العريقة قد سكتت وغضّت النظر عن جرائم ارتكبها قادة دول أخرى ضد شعوبها وذلك بسبب مصالحها مع هذه الدول التي نجت أو أفلتت من المحاسبة. ولقد صدق السناتور «جون ماكين» في عبارته الشهيرة «إن قيم أميركا هي مصالحها».
إن هذا البحث يقودنا إلى القول بأن القوّة هي العنصر الأساسي الذي يتحكّم بمجمل العلاقات الدولية وكان «داروين» على حق عندما اعتبر أن «البقاء هو للأقوى» ولا غرابة في ذلك لأننا لا نعيش في عالم طوباوي مثالي بحيث تعرف كل دولة حقوقها وتلتزم بواجباتها وتعترف بتجاوزاتها وشوائبها.
وفي هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى أن كل نظام سياسي يدّعي أنه الأفضل، وخلال العام 2017 وخلال مؤتمر الحزب الشيوعي، أعلن الرئيس الصيني أن النظام الصيني هو أفضل من النموذج الغربي وهو يسعى إلى تصدير الحِكم الصينية إلى العالم كمساهمة إنسانية. في حين وصف الرئيس «بوتين» النظام الروسي بالديمقراطية السياسية ناعتاً الأسلوب الغربي الليبيرالي بالمنحطّ وأنه يستند إلى فلسفة أخلاقية فاسدة ستقود روسيا إلى الانحطاط والفوضى. ومن جهة أخرى اعتبر الرئيس «أوباما»: «America Leads; we are the indispensable nation» أي أن أميركا تقود، نحن الدولة التي لا غنى عنها.
إذا كانت مفترضات الواقعات السياسية تقودنا إلى القول بأن الحروب تعود في مجمل أسبابها، كما اتفق على ذلك «أينشتاين» و«فرويد»، إلى تثبيت الهوية الوطنية أو الصراع على الحدود، فهل يحق للولايات المتحدة أن تتصرّف بأحاديّة وبشكل منفرد للحفاظ على حدودها والحفاظ على سلامة شعبها ممّا يحمي أمنها القومي؟
ومن جهة أخرى نرى أن العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا والقبض على الرئيس الفنزويلي تندرج في إطار إيديولوجية «المحافظون الجدد» التي نشأت عام 1970 والتي ترتكز في المبدأ على أن النظام العالمي مبني على قوّة الولايات المتحدة التي لا يجاريها أحد وعلى الاعتقاد الراسخ بميزتها التفوّقية غير المسبوقة على غيرها. وهذا يعني أن تنفرد وحدها باستعمال القوّة العسكرية للبتّ والفصل في أي نزاع دولي وفي فرض السلام. كما تستند على قوّتها العسكرية في خدمة مصالحها الوطنية.
ونضيف إلى ذلك أن هذه الإيديولوجية تشجّع على تهميش دور المنظمات الدولية وتفضّل الانسحاب من الاتفاقيات والالتزامات الدولية ولقد رأينا الرئيس «ترامب» يعلن أو يعبّر عن نيّته بالانسحاب من هيئات دولية متعدّدة تابعة أو غير تابعة للأمم المتحدة بحجّة أنها لا تخدم المصالح الأميركية. ومن الواضح لدينا أن «المحافظون الجدد» يعتمدون على الأفكار الولسنية بالنسبة لرؤيتهم في نشر الديمقراطية في العالم بحيث اعتبروها حاجة ماسّة لسياسة الأمن القومي.
وإنه من الطبيعي أن تُجابه إيديولوجية التفرّد والاستئثار في حلّ مشاكل العالم بمعارضة من قبل دول عديدة حليفة أو غير حليفة. ففي العام 2003 وعلى سبيل المثال، لم تتمكّن الولايات المتحدة من الحصول على دعم كندا والمكسيك وتشيلي في مجلس الأمن في حربها ضد العراق والتي صنّفتْها في خانة حمايتها لمصالحها الحيوية.
ومن خلال أفق التفكير ذاته أي استعمال الدول الكبرى قوتها العسكرية لخدمة مصالحها القومية والوطنية يجدر بنا أن نشير إلى تصرّف الاتحاد السوفياتي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كقوة قسرية أحادية عندما قضم الأراضي في أوروبا الشرقية وفرض رقابته السياسية عليها.
وهكذا يتحصّل لنا كيف تتشابه الدول الديمقراطية مع الدول التسلّطية في سلوك المنهج ذاته وهو انتهاك المبادئ والقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة من حيث التعدّي على الدول التي لا تتفق معها في إيديولوجيتها السياسية الخاصة وصولاً إلى التدخّل في شؤونها الداخلية .
متنبّهين إلى ماورد أعلاه نعتقد أن انتهاك الدول الكبرى للقوانين والمواثيق الدولية لناحية التعدّي على الدول الصغيرة يتحقّق في غالب الأحيان من منظور النزاع الجيوسياسي القائم على التنافس بين الدول الكبرى على السيطرة الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية وعلى الأخصّ على الموارد الطبيعية ومصادر الثروات واستثمار عناصرها.
ونكون قريبين من جادّة الصواب إذا اعتقدنا أنه يحق لأي دولة أن تعتبر تدفّق المهاجرين غير الشرعيين وتصدير المخدرات إلى شعبها تهديداً لأمنها القومي، فهذا هو حقّها المشروع، ممّا يبرّر قيام هذه الدولة بمجابهة هذه المخاطر بالطرق العنفية في حال تعذّر التفاهم مع الطرف المصدّر لهذه التهديدات وذلك حفاظاً وصيانةً لمؤسساتها الداخلية والوطنية وصوناً لبقائها وازدهارها. وهذا هو جوهر العمل الديبلوماسي ومن أولويات كل سياسة خارجية كما كتب الكاتب السياسي البراغماتي Hans Morgenthau: 
«A good Foreign policy, maximizes benefits and minimizes Risks» أي أن السياسة الخارجية الرشيدة تُعظّم الفوائد وتُقلّل المخاطر.
ويطيب لنا أن نلفت الانتباه إلى المقولة القيّمة للكاتبين الأميركيين Robert Keohane وJoseph S.Nye بأن القوّة هي القدرة على جعل الغير ينفّذ ما تريده. وهذا الهدف يتحقّق إما عن طريق القوة الصلبة المتمثّلة بالإكراه والعقوبات وإما عن طريق القوة الناعمة المرتكزة على التأثير الثقافي والاجتماعي. فهناك إذاً خياران وعلى الدولة القويّة أن تختار الخيار الأفضل أي الأكثر إيجابية وسلمية.
ونختم قائلين، هل إن الولايات المتحدة الأميركية واجبة الوجود والاستمرار لكي تكون الضابط القوي للأمن العالمي بحيث تتدخّل لحلّ المشاكل الدولية المستعصية وتحرّر الشعوب القابعة تحت الأنظمة القمعية والتسلّطية، إذ إن ملايين الشعوب ما زالت ترزح تحت نير الحكام التسلّطيين.

* دكتور في القانون الدولي