العميد الركن المتقاعد جورج جاسر
ارتبط منذ زمن طويل، مفهوم الحرب بالصورة الكلاسيكية للجيوش المتقابلة، والجبهات الواضحة، والانتصارات التي تُقاس بالأرض التي تُحتل أو تُحرَّر. كانت الحرب التقليدية فعلاً عسكرياً مباشراً، تُخاض بالسلاح الثقيل والجنود، وتُحسم بتقدّم ميداني أو هزيمة عسكرية صريحة. في هذا النموذج، كان العدو معروفاً، وساحة المعركة محددة، ونهاية الحرب تُعلن سياسياً بعد حسم عسكري واضح.
غير أنّ هذا الفهم بدأ يتآكل مع التطور التكنولوجي المتسارع، ومع انتقال الصراعات من ساحات المواجهة المباشرة إلى مجالات أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً. لم يعد الجو مجرد مجال داعم للقوات البرية، بل أصبح ساحة مستقلة للحسم عبر الطائرات المتقدمة والمسيّرات والصواريخ الدقيقة. ثم جاء الفضاء ليضيف بُعداً جديداً للحرب، حيث باتت الأقمار الصناعية عنصراً أساسياً في الاستطلاع والاتصال والتوجيه، ما جعل السيطرة على «الرؤية» شرطاً مسبقاً لأي تفوّق عسكري. ومع تطور الحوسبة والاتصالات، دخل العالم مرحلة الحرب الإلكترونية والسيبرانية، حيث يمكن تعطيل بنى تحتية كاملة، أو شلّ مؤسسات حيوية، أو التأثير في الرأي العام دون إطلاق رصاصة واحدة.
هذا التحوّل لم يغيّر أدوات الحرب فحسب، بل مسّ جوهر مبادئها. لم تعد الحرب إعلاناً رسمياً يعقبه اشتباك واضح، بل أصبحت حالة مستمرة تتراوح بين التصعيد والانكفاء، بين الحرب والسلم. تراجعت فكرة المعركة الحاسمة، وصعدت مكانها استراتيجيات الاستنزاف، والغموض، وتآكل الخصم من الداخل. بات من الصعب تحديد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، أو حتى من هو الطرف الذي يشنّها فعلياً، في ظل تعدد الفاعلين وتداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والإعلامية.
في هذا السياق، يبرز خطأ شائع في قراءة طبيعة الصراعات المعاصرة، يتمثل في الاعتقاد بأن أنماط الحرب الجديدة قد استبدلت بالكامل الحرب التقليدية. الواقع أن ما يجري ليس استبدالاً بل تراكماً. فالحرب الحديثة لا تلغي ما سبقها، بل تضيف طبقات جديدة فوقه. البر والبحر ما زالا حاسمين في تثبيت النتائج السياسية، لكنهما لم يعودا كافيين وحدهما. الجو، والفضاء، والفضاء السيبراني، والحرب الاقتصادية، وحروب المعلومات، كلها باتت تعمل في آن واحد، ضمن منظومة متكاملة لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها البعض.
تظهر هذه الحقيقة بوضوح في الحرب الأوكرانية. فعلى الرغم من الاستخدام الواسع للتكنولوجيا المتقدمة، من الأقمار الصناعية إلى المسيّرات والأسلحة الذكية، ظلّ الصراع في جوهره مرتبطاً بالسيطرة على الأرض. لم تحسم الضربات الدقيقة ولا الحرب الإلكترونية المعركة وحدها، كما لم يتمكن التفوّق التكنولوجي لأي طرف من إلغاء أهمية الجبهة البرية. الحرب هناك مثال حيّ على التراكم: فضاء يوفّر الرؤية، سيبراني يعطّل ويشوّش، جو يضرب ويستنزف، وبر يثبّت أو يخسر.
أما في الشرق الأوسط، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ تتحوّل المنطقة إلى مسرح دائم لحروب متراكبة دون حسم نهائي. هنا تتداخل الحروب النظامية مع الحروب بالوكالة، والضربات الجوية مع الضغوط الاقتصادية، والمواجهات المحدودة مع الحروب النفسية والإعلامية. لا تسعى القوى الكبرى إلى انتصار كامل، بل إلى إدارة التوازن ومنع الانفجار الشامل، فيما تُستخدم التكنولوجيا المتقدمة لضبط الصراع لا لإنهائه. الشرق الأوسط في هذا المعنى ليس ساحة حرب واحدة، بل مجموعة صراعات مفتوحة تُدار وفق منطق الاستنزاف طويل الأمد.
وتتجلّى خطورة هذا النموذج بأوضح صورها في الحالة اللبنانية. فلبنان لا يعيش حرباً تقليدية معلنة، ولا يخضع لاحتلال عسكري مباشر، لكنه في قلب حرب تراكميّة مكتملة العناصر. المجال الجوي مراقَب، والفضاء السيبراني مكشوف، والاقتصاد مُنهك، والقرار السياسي معطّل. لا تُستخدم الدبابات لإسقاط الدولة، بل يُترك الانهيار يتقدّم ببطء عبر الضغط المالي، والانقسام الداخلي، وتآكل الثقة بالمؤسسات. هنا تصبح الحرب غير مرئية، لكنها أكثر فتكاً، لأنها تُدار دون ضجيج وتُنتج انهياراً بلا معركة فاصلة.
ما تكشفه هذه الأمثلة أن مستقبل الصراع الدولي لا يتجه نحو حروب شاملة تقليدية، ولا نحو سلام مستقر، بل نحو حالة وسطى من الصدام المستمر. عالم تُخاض فيه الحروب دون إعلان، وتُحسم فيه المعارك دون نصر واضح، وتُدار فيه الأزمات بمنطق التراكم لا الحسم. في هذا العالم، لا يكفي امتلاك التكنولوجيا، ولا يُغني التفوّق العسكري عن التماسك الداخلي، ولا يمكن فهم ما يجري دون إدراك أن الحرب لم تعد حدثاً استثنائياً، بل أصبحت حالة دائمة تُعاد صياغتها بأدوات جديدة وقواعد مختلفة.
في مواجهة هذا الواقع، لا تمتلك الدول المستهدفة، ولا سيما تلك التي تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة، خيار بناء ردع متماثل مع القوى الكبرى. غير أن ذلك لا يعني السقوط الحتمي أو الخضوع المطلق. ما يمكن لهذه الدول فعله هو تقليل الخسائر عبر تبنّي ما يشبه الدفاع الذكي غير المتماثل، القائم على تحصين الداخل بدل مطاردة تفوق خارجي مستحيل. يبدأ هذا المسار بتقوية التماسك الاجتماعي والسياسي، لأن المجتمعات المتماسكة أقل قابلية للاختراق السيبراني والنفسي، وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية. كما يشمل تقليص الاعتماد المفرط على الخارج في الغذاء والطاقة والاتصالات، وتبنّي هياكل لامركزية مرنة تجعل تعطيل الدولة أكثر كلفة وتعقيداً.
ومع أن العالم يتجه بوضوح نحو انقسام بين دول تمتلك مفاتيح التكنولوجيا المتقدمة ودول تقع في دائرة التأثر بها، فإن هذا لا يعني أن النظام الدولي بات محكوماً من طرف واحد. ما نشهده هو توازن غير متكافئ، تُدار فيه السيطرة عبر النفوذ والتكنولوجيا لا عبر الاحتلال المباشر. لم تعد السيادة مطلقة ولا التبعية كاملة، بل باتت قدرة الدول على المناورة والصمود هي الفاصل الحقيقي بين السقوط والبقاء.
في عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُعلَن، يصبح الفهم العميق لطبيعة الصراع شرطاً أساسياً للبقاء، لا امتلاك السلاح وحده.