في مشهد يعيد السوريين إلى أحلك أيام الحرب، تحوّلت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب إلى ساحة معركة جديدة تهدّد بإشعال فتيل صراع لا يريده أحد، لكن الجميع ينجرّ إليه. فبعد عام واحد فقط من سقوط نظام بشار الأسد، تواجه سوريا سؤالاً مصيرياً: كيف يمكن دمج قوة عسكرية موازية سيطرت على ثلث البلاد دون إشعال حرب أهلية جديدة؟
• اتفاق مارس إلى الفشل
في آذار2025، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع اتفاقاً مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي لدمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن الدولة السورية، بما في ذلك المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.
كان الاتفاق يمثل أملاً في إنهاء أحد أعمق الانقسامات في سوريا بعد الحرب. لكن بعد عشرة أشهر من المماطلة والتسويف، لم ينفذ شيء على أرض الواقع. انتهت المهلة المحددة في 31 كانون الأول 2025 دون تطبيق أي بند من بنوده، لتتحوّل الورقة الموقّعة إلى حبر على ورق.
السلطات الكردية، التي أنشأت منطقة شبه مستقلة خلال الحرب الممتدة 14 عاماً، أبدت تردداً واضحاً في التخلّي عن مكتسباتها والاندماج الكامل في حكومة الرئيس أحمد الشرع، بينما واجهت الحكومة الجديدة ضغوطاً تركية هائلة لحسم الملف بشكل حاسم.
• الانفجار المتوقّع
في 6 كانون الثاني الجاري، انفجر الوضع. كل طرف يلقي باللوم على الآخر في إشعال فتيل العنف.
أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» مقتل جندي وإصابة ثلاثة آخرين في هجوم لقوات سوريا الديمقراطية، بينما نفت «قسد» مسؤوليتها عن الهجمات على المناطق المدنية، متهمة القوات الحكومية بالمبادرة إلى القصف.
في اليوم التالي، تصاعدت الأمور بشكل دراماتيكي. أعلن الجيش السوري إطلاق «عملية عسكرية محدودة» في حلب، قائلاً إنها جاءت ردّاً على هجمات متكررة من قسد على الأجزاء الخاضعة للحكومة من أكبر مدينة في البلاد. أعطى الجيش المدنيين مهلة حتى الساعة الثالثة مساءً لمغادرة الحيين، وبعدها دوّت أصوات انفجارات عنيفة هزت المنطقة.
• حرب الأرقام والاتهامات
الحكومة السورية تؤكد أن العملية تهدف إلى استعادة الأمن والاستقرار، مستندة إلى أرقام صادمة. ذكرت وزارة الإعلام السورية أن هجمات قسد في الأشهر الأخيرة أسفرت عن مقتل أكثر من 20 مدنياً وإصابة أكثر من 150 آخرين، إضافة إلى مقتل أكثر من 25 جندياً من القوات الحكومية.
من جانبها، اتهمت قوات سوريا الديمقراطية القوات الحكومية بمهاجمة الأحياء المدنية والبنية التحتية بشكل متعمّد، وفرض «حصار خانق وكامل» على المناطق الكردية، في محاولة لإجبارها على الاستسلام دون شروط.
لكن ما يحدث في حلب ليس مجرد نزاع عسكري محلي، إنه تجسيد للتحدي الأعقد أمام سوريا الجديدة؛ لا يمكن بناء دولة موحّدة مع وجود كيان موازٍ يسيطر على الموارد والحدود والمعابر، لكن لا يمكن أيضاً تفكيك هذا الكيان بالقوة دون ضمانات حقيقية تطمئن مئات الآلاف من المواطنين الأكراد.
• تركيا اللاعب الحاسم
تركيا تلعب الدور المحوري في هذه الأزمة. أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بوضوح أن تركيا تعتبر قوات سوريا الديمقراطية «منظمة إرهابية» بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني، الذي يخوض صراعاً طويل الأمد ضد أنقرة منذ عقود.
وفق تحليل مؤسسة دراسة الحرب، يواجه النظام السوري ضغوطاً تركية متزايدة نابعة من معارضة أنقرة المطلقة لوجود كيان كردي مستقل على حدودها، خوفاً من أن يغذي ذلك القومية الكردية داخل تركيا نفسها.
الموقف التركي واضح وحاسم: التفكيك الكامل لقسد من خلال دمج أعضائها كأفراد في الجيش السوري، وليس كتلة موحدة تحتفظ بهيكلها القيادي. هذا خط أحمر استراتيجي لأنقرة، لن تقبل التفاوض حوله، وهو ما ترفضه قيادة قسد بشدّة.
• أميركا في موقف حرج
الولايات المتحدة تجد نفسها محاصرة بين حليفين متناقضين. قوات سوريا الديمقراطية كانت لسنوات الشريك الرئيسي لواشنطن في سوريا في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ولا تزال القوات الأمريكية منتشرة شرق الفرات لهذا الغرض.
من جهة أخرى، تركيا عضو في حلف الناتو وحليف استراتيجي لا يمكن تجاهله، وهي الراعي الرئيسي للحكومة السورية الجديدة.
تحذّر لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي من أن الفوضى تفيد فقط تنظيم داعش وإيران، وتدعو الطرفين إلى خفض التصعيد فوراً. لكن الدور الأميركي يبقى محدوداً في ظل التوازنات الإقليمية المعقّدة، حيث تتقاطع المصالح وتتضارب على الأرض السورية.
• أزمة ثقة عميقة
تكشف هذه الأزمة عن فشل جوهري في بناء الثقة بين الأطراف السورية. تقرير صادر عن «واشنطن تايمز» يشير إلى أن الاشتباكات العرقية بين الأقليات العلوية والدرزية خلال العام الماضي قوضت ثقة قسد في دمشق بشكل كبير.
قيادات كردية تعبّر عن خوف وجودي؛ المواطنون الأكراد يخشون حملات قتل جماعي إذا ألقت قسد سلاحها دون ضمانات دولية حقيقية. ذاكرة الحرب والعنف الطائفي لا تزال حاضرة بقوة، وليس هناك ما يطمئن إلى أن التسليم الكامل للسلاح لن يعني الفناء.
من جانب آخر، الحكومة السورية والداعمون الأتراك لها يرون أن استمرار وجود كيان مسلح موازٍ يجعل بناء دولة مستقرة مستحيلاً، ويشكّل تهديداً دائماً للأمن القومي التركي.
• خيارات صعبة ومستقبل غامض
الأمم المتحدة تدعو إلى اتفاق بين الحكومة وقسد على وضع قوات الأمن تحت قيادة وطنية موحّدة كإجراء رئيسي، مع التأكيد على الحاجة إلى دولة يشعر فيها جميع السوريين بالأمان والحماية.
لكن المشكلة ليست تقنية بل سياسية عميقة. الخيارات المطروحة صعبة وكلها محفوفة بالمخاطر:
- الدمج التدريجي: دمج أفراد قسد بشكل فردي (المطلب التركي) مقابل ضمانات دستورية وقانونية واضحة للمواطنين الأكراد وحمايتهم من أي انتقام.
- اللامركزية الإدارية: منح حكم ذاتي محدود في إطار الدولة السورية الموحّدة، لكن هذا يصطدم بالرفض التركي المطلق.
- الوساطة الدولية: ضمانات أممية وإقليمية لحماية جميع الأقليات، لكن من سيضمن هذه الضمانات في منطقة لا يثق أحد بأحد؟
كل خيار يصطدم بعقبة. تركيا ترفض أي شكل من أشكال الاستقلال الذاتي الكردي، وقسد لن تسلم سلاحها دون ضمانات حديدية، والحكومة السورية تحت ضغط تركي هائل لا تستطيع مقاومته.
• السؤال الوجودي
ما يحدث في حلب اليوم ليس مجرد معركة عسكرية، إنه امتحان لفكرة «سوريا الموحّدة» ذاتها. هل يمكن بناء دولة تستوعب جميع مكوناتها بعد حرب دمّرت كل شيء؟ هل يمكن التغلّب على إرث 14 عاماً من العنف والانقسام والدم؟
الأيام القادمة ستحدّد ما إذا كانت سوريا تتجه نحو تسوية مؤلمة لكن ضرورية، تحفظ ماء الوجه للجميع وتمنع انزلاق البلاد نحو هاوية جديدة، أو نحو جولة جديدة من الحرب التي سيكون الجميع خاسراً فيها حكومة ومعارضة، أكراداً وعرباً، سوريين وإقليميين.
السوريون الذين عاشوا 14 عاماً من الجحيم يستحقون أفضل من هذا. لكن هل ستسمح التوازنات الإقليمية والمصالح المتضاربة ببناء السلام الذي يحلمون به؟ حلب، المدينة التي شهدت أعنف معارك الحرب السورية، قد تكون على موعد مع إجابة هذا السؤال المصيري.