شكّل مؤتمر باريس للسلام عام 1919 لحظة حاسمة في إعادة رسم خرائط المشرق العربي بعد انهيار الدولة العثمانية. وفي هذا المؤتمر، سعت أطراف عديدة – دولية وإقليمية – الى تثبيت نفوذها وحدودها المستقبلية. وبين أبرز الملفات التي أثيرت آنذاك مذكرة الوفد الصهيوني التي قدّمها حاييم وايزمان، والتي تضمنت رؤية واضحة لحدود «الوطن القومي اليهودي» في فلسطين، كما ورد في وعد بلفور عام 1917.
قدّم الوفد الصهيوني في باريس مذكرة رسمية طالب فيها بأن تمتد الحدود الشمالية لفلسطين نحو نهر الليطاني داخل الأراضي اللبنانية، وليس إلى رأس الناقورة كما حدّدت لاحقاً. وقد استندت المذكرة إلى حجج تتعلق بالاحتياجات المائية والزراعية، معتبرة أن السيطرة على الليطاني ضرورية لقيام كيان اقتصادي قابل للحياة.
في المقابل، رفضت فرنسا – التي كانت تطمح إلى بسط سيطرتها على لبنان وسوريا ضمن نظام الانتداب – هذا الطلب، مؤكدة أن الليطاني جزء أساسي من المجال الجغرافي اللبناني، وأن ضمّه إلى فلسطين الانتدابية سيقوّض خططها الإدارية والسياسية في المنطقة. وأسهم هذا الرفض لاحقاً في تثبيت الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين في اتفاقيات عام 1923 بما يعرف بترسيم Paulet – Newcombe والذي رسم الحدود على الأرض من الناقورة الى الحمّة مروراً بالمطلة والجسر الروماني.
بعد أكثر من قرن على مؤتمر باريس، يرى عدد من الباحثين أن بعض الطروحات المتعلقة بالأمن والحدود لا تزال تظهر – بشكل مباشر أو غير مباشر – في السياسات الإسرائيلية تجاه جنوب لبنان، ولا سيما في المناطق القريبة من الخط الأزرق.
فمنذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1978، ثم الاحتلال الواسع عام 1982، وصولاً إلى الانسحاب عام 2000، ظل الجنوب منطقة توتر مستمر. وتظهر تقارير ميدانية ودولية أن قرى حدودية لبنانية شهدت عمليات قصف أو تدمير للبنى المدنية خلال فترات التصعيد، وسط جدل دائم بين التبريرات الأمنية الإسرائيلية واتهامات السكان المحليين بأن هذه السياسات تهدف إلى خلق ضغط نفسي وجغرافي يدفع الأهالي إلى النزوح. وهذا ما حدث في فلسطين سنة 1948 حين أرهبت الميلشيات الصهيونية وخاصة الهاغاناه والبالماخ بقتل وترهيب السكان العرب وعمل مذابح كدير ياسين والطنطورة مما أدّى الى نزوح معظم السكان العرب عن المدن والقرى. وكان الارهابيون الصهاينة يدمرون القرى العربية بعد تهجير سكانها كي لا يعودوا إليها.
وكانت الأوامر تصدر شفهياً من بن غوريون الى قوات عصابات في البالماخ والهاغاناه من دون أية أوامر مكتوبة كي لا يدان من أحد فيما بعد قيام الدولة اليهودية. وبذلك تم تهجير حوالي ثمانمائة ألف فلسطيني من كل القرى والمدن العربية كيافا، وحيفا واللد والرملة وطبريا وغيرها.
لقد كتب الباحث والمؤرخ الإسرائيلي آلان بابي في كتابه عن الترنسفير أو التهجير العرقي للفلسطينيين الذي قامت به العصابات الصهيونية. والآن تقوم القوات الإسرائيلية كما قامت به عصاباتها في سنة 1947 – 1948 وقبلها في فلسطين، تقوم به في غزه وتقوم به في جنوب لبنان وفي الضفة الغربية تمهيداً لتهجير سكانها العرب واللبنانيين لاحتلالها.
وتشير تحليلات لمراكز أبحاث إلى أن إسرائيل تطمح إلى الحفاظ على «منطقة أمنية عازلة»، تخضع لرقابة مشدّدة وتستخدم كعمق دفاعي ضد الهجمات المحتملة، وهي رؤية ترتبط تاريخياً بمفهوم «الأمن الوقائي» الذي تبنّته المؤسسة العسكرية الإسرائيلية منذ تأسيسها. انها ذريعة تتخذها إسرائيل لتضم الجنوب اللبناني (جنوب الليطاني) إليها.
يذهب بعض المؤرخين إلى أنّ الهواجس الجيوسياسية المرتبطة بالمياه والحدود شكّلت جزءاً من التفكير الاستراتيجي للحركة الصهيونية منذ بدايات القرن العشرين. ويرى هؤلاء أن المطالب التي طرحت في مؤتمر باريس تتقاطع – من حيث الدوافع – مع ممارسات عسكرية حدثت لاحقاً خلال حرب 1948، حين أدّت المعارك إلى تهجير سكان مناطق حدودية واسعة تحت وطأة العمليات القتالية. لكن معظم الدراسات الأكاديمية تؤكد ضرورة التمييز بين الظروف المختلفة لكل مرحلة، مع الإقرار بأنّ مسألة الحدود والعمق الأمني بقيت محوراً ثابتاً في السياسة الإسرائيلية حتى اليوم.
تكشف العودة إلى وثائق مؤتمر باريس للسلام عن جذور مبكرة للصراع على الحدود والموارد في المشرق العربي. كما يسلّط الربط بين تلك الوثائق والوقائع الراهنة في جنوب لبنان الضوء على استمرارية الهواجس الأمنية والسياسية التي ترافق هذا الملف منذ أكثر من قرن، ما يجعل قضية الحدود إحدى أعقد القضايا في تاريخ المنطقة الحديث. ويجب التنبيه الى المخطط الصهيوني الإسرائيلي العام بتوسيع الدولة اليهودية على حساب دول الجوار والضفة الغربية وخاصة جنوب الليطاني وأكثر متى سنحت الفرصة لهم بذلك. وإسرائيل دولة لم تعلن حدودها لتاريخه.