بيروت - لبنان

اخر الأخبار

15 كانون الثاني 2026 12:00ص العالم على فوهة الممرات: حين تصبح البحار والموانئ جبهات الحرب المقبلة

حجم الخط
د. محمد دوغان

لم تعد الحروب في عالم اليوم تُخاض من أجل الشعارات أو الأيديولوجيات، بل من أجل الجغرافيا التي تصنع الثروة والقوة: الممرات المائية، الموانئ، السواحل، والعقد البحرية التي تربط الاقتصاد العالمي ببعضه. من باب المندب إلى قناة السويس، ومن مضيق هرمز إلى شرق المتوسط، ومن القرن الإفريقي إلى ليبيا، تتحوّل الخريطة إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى إقليمية ودولية تتصارع على من يملك مفاتيح التجارة العالمية.
في هذا السياق، لا يمكن فهم التمدد الإسرائيلي والإماراتي في ليبيا، وإثيوبيا، واليمن، والصومال، والسودان إلّا بوصفه مشروعاً استراتيجياً للسيطرة على الخاصرة البحرية للعالم العربي وإفريقيا. فإسرائيل، التي لطالما عانت من ضيق الجغرافيا وخنق المنافذ، وجدت في الشراكة الإماراتية رأس جسر مثالياً للوصول إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي والتحكم غير المباشر في خطوط الملاحة الدولية.
الإمارات، بدورها، لم تعد لاعباً اقتصادياً فقط، بل تحوّلت إلى قوة موانئ عابرة للحدود، من عدن إلى بربرة، ومن سواكن إلى بنغازي، حيث تُدار السياسة برافعات المرافئ وعقود التشغيل لا بالبيانات الدبلوماسية. لكن هذا التمدد لم يمر بلا ارتدادات: السعودية رأت فيه تهديداً مباشراً لمجالها الحيوي في اليمن والبحر الأحمر، ما يفسر التوتر المتصاعد داخل المعسكر الواحد، رغم الخطاب المعلن عن الشراكة.
في المقابل، شهدنا تقارباً مصرياً – تركياً براغماتياً، لا تحكمه المصالح الأيديولوجية بل معادلة واحدة: من يسيطر على شرق المتوسط، وليبيا، ومداخل قناة السويس، يملك أحد أعصاب الاقتصاد العالمي. أنقرة تريد كسر الطوق البحري المفروض عليها، والقاهرة تريد حماية شريانها الوجودي، أي قناة السويس، في عالم تتحوّل فيه الممرات إلى أدوات ابتزاز سياسي.
أما الولايات المتحدة، فتلعب لعبتها التقليدية: خلق التوتر لإعادة التموضع، التهديد بضرب إيران ليس سوى أداة لإبقاء الخليج في حالة خوف دائم، والسيطرة على غرينلاند ليست جنوناً جغرافياً بل سباق على القطب الشمالي، حيث تمر طرق التجارة الجديدة وتُخزن ثروات المستقبل. حتى فنزويلا تُقرأ في هذا السياق: نفطها وموانئها موقع متقدم في مواجهة الصين في نصف الكرة الغربي.
في المقلب الآخر، تقف روسيا في موقع المتحفّظ الحذر: لا تريد صداماً مفتوحاً، لكنها لن تسمح بخنقها بحرياً في البحر الأسود أو المتوسط. بينما الصين، اللاعب الأخطر على المدى الطويل، تراقب بصبر قاتل مشروع «الحزام والطريق» ليس اقتصادياً فقط، بل هو شبكة سيطرة على الموانئ والممرات من باكستان إلى جيبوتي، ومن بيريه اليوناني إلى قناة السويس.
وسط هذا كله، تراهن إسرائيل على المظلة الأميركية لتحقيق قفزتها الكبرى: التحوّل من دولة محاصرة جغرافياً إلى لاعب يتحكم بعُقد الملاحة الإقليمية، من الغاز في شرق المتوسط إلى أمن البحر الأحمر. ولهذا، لا يمكن فصل سياساتها في غزة ولبنان وسوريا عن هذا السياق الأوسع: إنها حروب على الجغرافيا قبل أن تكون حروباً على البشر.
الخلاصة القاسية أن العالم لا يتجه إلى نظام أكثر استقراراً، بل إلى فوضى مُدارة حول البحار. من يملك الميناء يملك القرار، ومن يسيطر على المضيق يستطيع أن يخنق دولة بأكملها دون أن يطلق رصاصة واحدة. وفي هذا المشهد، تبدو منطقتنا العربية، للأسف، ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين، فيما تتآكل سيادتنا مع كل رصيف يُسلّم وكل ممر يُرهن.
ليست الحرب المقبلة حرب دبابات... بل حرب خرائط بحرية. ومن لا يفهم ذلك اليوم، سيدفع ثمنه غداً سيادةً واقتصاداً وأمناً.