د. مهى محمّد مراد
لم تعد المشاركةُ في الحياة السياسية والاجتماعية مجرّد تفصيل ثانوي، بل باتت المدخل الطبيعي إلى الاعتراف المتبادل، والقاعدة الصلبة لأيّة معادلة وطنية قابلة للحياة. فحين يشارك المواطن، يشعر بأنه مرئيّ ومسموع، وحين يُعترف به، يصبح شريكاً في صناعة القرار لا مجرّد متلقٍّ لنتائجه. من هنا، تتبلور معادلة واضحة: المشاركة تؤدي إلى الاعتراف، والاعتراف يفضي إلى الأمن، والأمن هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار.
في الجنوب اللبناني، وتحديداً في بلدة النبطية، برز هذا المعنى بوضوح خلال الالتفاف الشعبي اللافت حول رئيس الحكومة اللبنانية «نواف سلام»، هذا المشهد لم يكن عابراً ولا بروتوكولياً، بل حمل دلالاتٍ سياسيةً عميقة. فالترحيب الحارّ الذي حظيَ به رئيس الحكومة، وهو المعروف بدعوته الصريحة إلى السلام، وإلى الدولة، وإلى حصرية السلاح بيدها، يعكس مزاجاً جنوبياً متقدماً، يبحث عن الأمان داخل الدولة لا خارجها، وعن الحماية بالمؤسسات لا بالمغامرات.
هذا التفاعل الشعبي، ولا سيما من قبل أبناء الطائفة الشيعية، يكشف تحوّلاً مهماً في الأولويات، فالمشاركة الفعلية في المشهد الوطني تقود اليوم إلى الاعتراف بحق المطالبة بالسلام، وبحق رفض الحرب، وبالحق في الحياة الطبيعية، وبالتالي، لم يعد صوتُ السلام غريباً عن البيئة الجنوبية، بل بات يخرج من قلبها، ومن معاناتها، ومن التجارب القاسية التي دفعت أثمانها مراراً.
وهنا تلتقي هذه المقاربة مع المعادلة التي عبّر عنها الشيخ نعيم قاسم: الأمنُ مقابلَ الاستقرار... فالأمن الحقيقي لا يُبنى على القلق الدائم ولا على استدعاء الحروب، بل على الاستقرار السياسي والاجتماعي، وعلى شعور الناس بأنّ مستقبلهم غير معلق على احتمالات الدمار، وعندما يتحقق الأمن، يصبح الاستقرار نتيجة طبيعية لا شعاراً نظرياً.
من هذا المنطلق، لا يمكن إنكارُ أنّ المسافة بين كثيرٍ من اللبنانيين، وبين رؤية حزب الله في هذه المرحلة، قد تقلّصت في نقطة أساسية: الحاجة إلى الأمن والاستقرار! فالخلافات لا تُدار اليوم بمنطق القطيعة، بل بمنطق البحث عن نقاط التلاقي التي تحمي المجتمع وتخفف عنه أثقال الصراع.
وفي المقابل، تعالت أصوات كثيرة من داخل المجتمع الجنوبي نفسه، تطالب بإيجاد حلّ حقيقيّ من قلب البيئة التي عاشت ويلات الحرب، لا من خارجها. هذه الأصوات لا تنكر الانتماء، ولا تتنصّل من الهُوية، لكنها تطالب بحقها في الحياة، وبحق أبنائها في مستقبل لا تُهدّده جولة جديدة من الدمار.
من هنا، تأتي الدعوة الصادقة إلى أهلنا الشيعة لاعتماد الحياد الواعي، لا كتنكّر للقضية، بل كحماية للمجتمع من تكرار الأخطاء نفسها، والأحداث ذاتها، التي أدّت إلى تدمير مناطق واسعة من لبنان، ولا سيما الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. لقد أثبتت التجربة أن حروب الإسناد لم تجلب سوى الخراب، وأن أثمانها تُدفع من بيوت الناس وأرزاقهم.
نحن لا نريد حروباً جديدة، ولا نحتمل مزيداً من الخسائر، ما نريده بسيط وواضح: أن نعيشَ بسلام، وأن ننعمَ بالاستقرار، وأن تكونَ الدولة هي المرجع والحامي.
إن غيابَ الدولة عن الجنوب في مراحل سابقة لم يُلغِ الهوية الوطنية، ولم يمحُ الانتماء إلى لبنان. والدليل الأوضح على ذلك هو الاستقبال الشعبي لرئيس مجلس الوزراء في الجنوب. هذا المشهد يؤكد أن الناس، مهما اشتدّت الظروف، لا تزال ترى في الدولة ملاذاً، وفي حضورها ضمانة، وفي عودتها الكاملة أملاً حقيقياً.
وفي النهاية، يبقى الرهان على وعي الناس، وعلى قدرتهم في تحويل المشاركة إلى اعتراف، والاعتراف إلى أمن، والأمن إلى استقرار... وهذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ لبنان.