بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 حزيران 2026 12:00ص المفاوضات مع إسرائيل... وما ستنجبه

حجم الخط
يجيء طرح الموضوع في هذا الوقت العصيب الذي يمرّ به لبنان، والذي لنّ نفهم سبب الحروب التي تشنّها عليه إسرائيل إذا لم نكن على اطّلاع كافٍ على المشروع الصهيوني، وطبيعة العلاقة التي يسعى إلى تحقيقها مع بقية شعوب العالم ومكوناتها الحضارية والثقافية. إن ما تقوم به إسرائيل اليوم من أعمال عدوانية متلطية بشعار «الدفاع عن النفس». إنما تهدف في الحقيقة إلى إجبارنا على الإذعان والخضوع لواقع الحضور الصهيوني في المنطقة على حساب أبناء الأرض الأصليين. فمن يقرأ تاريخ الحركة الصهيونية منذ نشأتها حتى اليوم. يدرك شكل العلاقة الصدامية والمتفجرة التي تريدها مع كافة شعوب العالم، والنابعة من الشخصية التاريخية الصهيونية، والني هي من اسوأ الشخصيات التي عرفها التاريخ الإنساني على مرِّ العهود. ولما كانت حركة الفكر البشري هي حركة تكاملية تطورية، بحيث يستجيب الإنسان للطروحات المعقولة والمنسجمة مع حركة الحياة بالفطرة، ودون أدنى تردد. نجد إن الصهاينة هم عكس ذلك تماماً فبدلاً أن يذعنوا للمبادئ الإنسانية، والتي تجلب الخير العام للمجتمع، نراهم يسعون لتطويع كافة المجتمعات خدمة لمصالحهم واهوائهم. وبالرغم من وضوح الصورة التاريخية لهذه الجماعة من خلال تعاليمهم وممارساتهم، نرى البعض في لبنان يسعى إلى التطبيع مع إسرائيل، الأمر الذي يعني الاعتراف بالوضع القائم حالياً على محاولة احتلال الأرض تمهيداً لإعلانها جزء من إسرائيل، وذلك في سياق مشروع إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل.
إن الهدف من التطبيع هو تحقيق قبول شعبي لوجود دولة إسرائيل في العالم العربي، والذي يعتقد اليهود أنه سيشكّل المدخل لتمددّهم السياسي والاقتصادي والثقافي في المنطقة. ومن هنا تأتي «الابراهيمية»، والتي هي بدعة سياسية تمهّد لنزع ملكية أبناء الأرض الحقيقيين عن أرضهم، ومنع إقامة دولة فلسطينية. وأمام ذلك كله يتضح إن التطبيع أشدّ خطورة وفتكاً من الغزو الغسكري.
إن السيطرة بالقوة مهما كانت ضراوتها فأنها لا تسلب الشعوب إرادة الصمود، لذلك يجب التنبّه إلى الحملات الإعلامية والسياسية التي تروّج للسلام مع اسرائيل، والتي تحاول تثبيت هذه الفكرة في عقول اللبنانيين، وخصوصاً جيل الشباب. وأكثر ما يساعد على الترويج لهذه الفكرة، هو موقف الحكم في لبنان الذي قرر الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع العدو دون أدنى تبصّر في خطورة هذه الدعوة، وتبعاتها المدمرة على صعيد الوحدة الداخلية، ودون أخذ العبّر من درس اتفاق السابع عشر من أيار. فالمفاوضات الجارية ثُبتّ إنها لن تكون إلّا انتقال من مرحلة سيئة إلى اسوأ. فعلى مدى خمسة عشر أشهر أوقفت المقاومة فيها كل أشكال المواجهة العسكرية فإن إسرائيل لم تتوقف. وما جرى ويجري من تدمير لكل اشكال الحياة في القرى الحدودية، هو تمهيد لضم هذه الأرض إلى دولة إسرائيل في اللحظة المناسبة، والتي تدرك إسرائيل إن الوصول إليها شرطه الأساسي القضاء على المقاومة أو تحييدها، ولذلك دأبت على التسويق لفكرة إن حركات المقاومة هي حركات متطرفة ومتوحشة معادية للسامية والحضارة الإنسانية، وتستمدّ حضورها من الارهاب وإراقة دماء الأبرياء.
إن مواجهة هذا الزيف يبدأ من فهم نوعية العلاقات التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها من خلال المفاوضات، وهي انتزاع مكاسب استراتيجية من لبنان ، والتي إن تحققت تشكّل خطراً على أمنه القومي وسيادته الوطنية. وهذا ما حصل مع مصر والأردن اللذين رضخا للمطالب الإسرائيلية والضغوط الأميركية في الأمور المتعلقة بالأمن والاقتصاد والمياه، ما أعطى إسرائيل التفوّق والضمانة بعدم خوض الحرب ضدها مجدّداً لفترة طويلة من الزمن في حال تجدّد العداء.
واليوم في ظل المحاولات الإسرائيلية لرسم متغيّرات جديدة على الأرض بالقوة العسكرية، فأن الأزمة لا يمكن مواجهتها بالحلول التقليدية بل بقراءة شاملة لكل الاستراتيجيات التي اعتمدها العدو منذ قيام دولة الاحتلال عام 1948، والتي تصب في خانة الاستعداد لخوض حرب كبرى ونهائية في حال لم ينجح مشروعها في فرض معادلات جديدة تكون لمصلحتها.