بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 حزيران 2026 12:15ص لماذا يُطلب من السُنّة في لبنان الانتقال من الزعامة إلى السياسة؟

حجم الخط
في إحدى المناطق اللبنانية الطرفية دخلت امرأة بسيطة إلى مكتب قائد لواء في الجيش بعد عناء طويل. كانت تريد أن تشرح وضع ابنها العريف في المؤسسة العسكرية وما يعانيه من ظروف معيشية ومهنية صعبة. استمع إليها العميد باهتمام وحاول مساعدتها قدر الإمكان. وعندما انتهى اللقاء وهمّت بالمغادرة التفتت إليه بعفوية صادقة وقالت «إن شاء الله يا حضرة العميد بيصير عندك شريطة حمرا متل ابني». ابتسم الرجل لا سخريةً منها بل لأنه أدرك حجم الفجوة بين الدولة كما هي والدولة كما يراها الناس. بالنسبة إلى تلك المرأة كانت «الشريطة الحمراء» أعلى مراتب السلطة والمجد لأنها تمثل سقف التجربة التي تعرفها. لم تكن تعرف معنى النجوم العسكرية ولا طبيعة التسلسل القيادي داخل المؤسسة. وهذه الحكاية على بساطتها تختصر مأزقاً لبنانياً عميقاً، مجتمع ينظر إلى الدولة من داخل الزواريب الضيقة لا من موقع الرؤية الوطنية الشاملة.
وفي قصة ثانية أكثر قسوة ودلالة يروي أحد العاملين في اللجان الطبية أنه فوجئ بشاب من بعلبك يسعى للدخول إلى المؤسسة العسكرية بصفة «تلميذ رتيب» كان الشاب يطرق أبواب الوساطات ويبذل جهداً هائلاً للوصول إلى أي جهة قد تساعده في الحصول على الوظيفة. لكن المفاجأة كانت أن معدله في شهادة القسم الثاني تجاوز 18.5 على 20. هنا يبرز السؤال الحقيقي كيف يمكن لدولة طبيعية أن تسمح بضياع طاقات كهذه في سباق مرير نحو وظيفة متواضعة تُحسم غالباً بمنطق التوازن الطائفي والوساطات بدل أن تستثمر هذه الكفاءات في الهندسة أو الطب أو التكنولوجيا أو البحث العلمي؟ لكن السؤال الأعمق يبقى أي نظام سياسي يدفع أصحاب الكفاءة إلى البحث عن «واسطة» بدل البحث عن أفق مستقبل؟ وهنا تبدأ أزمة لبنان الفعلية.
في الدول الطبيعية تبحث الأنظمة عن الأكفأ لأن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على اكتشاف الطاقات وصناعة النخب وتحويل المعرفة إلى قوة إنتاج وتقدّم. أما في الأنظمة المأزومة فغالباً ما تصبح الأولوية للأكثر تبعية لا للأكثر كفاءة. فالمنظومات التقليدية تخاف الإنسان الحر والمتعلم والمستقل لأنها تفضّل الفرد الذي يبحث عن الحماية لا عن الشراكة وعن الزعيم لا عن الدولة وعن الوظيفة لا عن المشروع.
ومن هنا تحوّلت مؤسسات كثيرة في لبنان تدريجياً من أدوات لبناء الدولة إلى أدوات لإعادة إنتاج الولاءات. ولم يعد السؤال من الأفضل؟ بل من الأكثر طاعة؟ ومن الأكثر قدرة على الانخراط في شبكات نفوذ الميليشيات والمحاصصة؟ وهكذا جرى استنزاف قسم كبير من الطاقات اللبنانية اقتصادياً ومن ثم نفسياً وحضارياً. شباب متفوّقون يبحثون عن واسطة وكفاءات تهاجر وجامعات تنتج عقولاً لأسواق الخارج فيما يعيش المجتمع داخل منظومة إفساد تحاصر الطموح وتحاصر فكرة الدولة نفسها.
ضمن هذا المشهد عاش المكوّن السنّي اللبناني تحوّلاً بالغ الحساسية. فطوال عقود اعتبر السُنّة أنفسهم جزءاً أساسياً من فكرة الدولة المركزية والانفتاح الاقتصادي والعلاقات العربية والمؤسسات الدستورية. لكن هذا الدور تراجع تدريجياً مع تحوّل الحياة السياسية من مشروع دولة إلى شبكة زعامات وتسويات ومحاصصات. ومع الوقت جرى اختزال السياسة بالخدمات واختزال الطائفة بالزعيم واختزال الناس بجمهور ينتظر الحماية أو الوظيفة أو التسوية.
غير أن لحظة الحقيقة جاءت مع انهيار هذا النموذج. فما شهدته السنوات الأخيرة لم يكن مجرد تراجع لزعامة سياسية بل سقوطاً لمنطق كامل حكم لبنان منذ نهاية الحرب، منطق إدارة البلاد عبر المحاصصة، والتوازنات المؤقتة والوصايات المقنّعة. ولهذا لا ينبغي النظر إلى الفراغ الذي يعيشه السُنّة اليوم بوصفه خسارة بل كفرصة تاريخية نادرة للتحرر من وهم «الزعيم المطلق». أما لماذا يُطلب من السُنّة الانتقال إلى العمل السياسي الحقيقي فلأن المرحلة تغيّرت بالكامل. لم يعد يكفي وجود زعيم قوي أو خطاب مرتفع أو حضور شعبي واسع. فالدول الحديثة لا تُبنى بالعصبيات والخطابات بل بالمؤسسات والعقول والرؤى طويلة الأمد.
المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج زعامة جديدة بل إنتاج «حالة سياسية واجتماعية» حديثة، أي الانتقال من الطائفة إلى المجتمع ومن الجمهور إلى المواطن ومن التبعية إلى الشراكة ومن زبائنية الخدمات إلى منطق بناء الدولة ومن الزعامة الى القيادات. فالسياسة ليست وجاهة نيابية أو حكومية بل عملية تاريخية تهدف إلى بناء المؤسسات، وإنتاج النخب، وتطوير الاقتصاد، وحماية القانون، وربط الداخل بالخارج ضمن شبكة مصالح واستقرار وشراكات. ولهذا يختلف العمل السياسي الحقيقي جذرياً عن العمل الخدماتي أو الزعاماتي. فالسؤال الذي يطرحه السياسي الحقيقي ليس كيف أربح الانتخابات المقبلة؟ بل كيف أبني مجتمعاً قادراً على البقاء بعد عشرين أو ثلاثين عاماً؟
المشكلة الأعمق في لبنان ليست محصورة بفساد بعض السياسيين بل بطبيعة النظام نفسه. فهذا النظام نشأ تاريخياً على قاعدة الامتيازات لا المواطنة وعلى توزيع النفوذ بين زعماء الطوائف وشبكات مصالحهم بدل بناء دولة حديثة قائمة على الكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص. ومع الوقت تحوّلت هذه الصيغة إلى ما يشبه البنية الكولونيالية الداخلية حيث تُدار الدولة كمزرعة موزعة بين مراكز النفوذ فيما تُترك المؤسسات ضعيفة ويُدفع المجتمع نحو التبعية الدائمة. ثم جاءت مرحلة هيمنة الميليشيات لترسّخ هذا المنطق أكثر فأكثر حتى أصبحت الدولة في كثير من الأحيان مجرد واجهة لتوازنات القوى لا إطاراً جامعاً للمواطنين.
لهذا فإن الأزمة الحالية ليست أزمة حكومة أو انتخابات بل أزمة نموذج كامل لم يعد قادراً على الاستمرار. ومن هنا تظهر أهمية التحوّل المطلوب داخل البيئة السنيّة اللبنانية. فالسُنّة يمتلكون عناصر قوة حقيقية، انتشاراً تعليمياً واسعاً وحضوراً اقتصادياً وتجارياً وانفتاحاً على العالم العربي والدولي وطاقات شبابية كبيرة إضافة إلى كتلة اغترابية مؤثرة. لكن هذه الطاقات تحتاج إلى مشروع سياسي حديث يجمعها ويوجهها، ليس مشروعاً مذهبياً أو انعزالياً بل مشروعاً وطنياً إنقاذياً يعيد تعريف السياسة بوصفها إدارة للكفاءات وبناءً للمؤسسات وصناعةً للدولة الحديثة. أي مشروع يعيد الاعتبار لفكرة أن الإنسان الكفوء يجب أن يصل لأنه كفوء لا لأنه تابع. وأن الدولة يجب أن تكون مساحة إنتاج وعدالة وفرص لا مساحة ولاءات ومحاصصة.
المجتمعات لا تنهض عندما تدور حول الأفراد بل عندما تنتج المؤسسات والأفكار. ولهذا فإن أكبر خطأ قد يقع فيه السُنّة اليوم هو محاولة استنساخ نموذج الزعامة القديم بأسماء جديدة. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى نخب فكرية ومراكز دراسات وإدارات محلية قوية، وبلديات فاعلة، وشبكات اقتصادية، وحضور جامعي ورؤية سياسية طويلة الأمد. أي إنها تحتاج إلى الانتقال من سؤال «من يمثل الطائفة؟» إلى سؤال «كيف نبني الدولة؟». وهنا تحديداً تكمن الفرصة التاريخية، الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة الوطنية. ليس بوصف السُنّة جماعة تبحث عن امتيازات إضافية بل شريكاً أساسياً يفتح باب إعادة بناء لبنان على قواعد جديدة.
بين المرأة التي اعتقدت أن «الشريطة الحمراء» أعلى من رتبة العميد والشاب المتفوّق الذي يحلم بوظيفة بسيطة يمرّ إليها عبر الواسطة تختصر صورة لبنان المعاصر. بلد يعيش فيه الناس داخل حدود التجربة الضيقة فيما تضيع الصورة الكبرى، صورة الدولة التي يفترض أن تكتشف الطاقات لا أن تكسرها وأن تبني الإنسان لا أن تحوّله إلى تابع وأن تصنع المواطن لا الزبون السياسي.
ولهذا فإن المطلوب من المكوّن السني اللبناني اليوم ليس البحث عن زعامة جديدة بل المساهمة دفنها لإنتاج ثقافة سياسية بنائية جديدة بالكامل. ثقافة تؤمن بأن السياسة ليست فن السيطرة على الناس بل فن بناء الدولة. وأن الطائفة التي تتحول إلى قوة مؤسساتية وفكرية ووطنية رائدة لا تنقذ نفسها فحسب بل تفتح الباب أمام إنقاذ وطن كامل.