في الرابع عشر من شباط عام 2005، دوّى انفجار مروّع في قلب بيروت، أودى بحياة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وهزّ لبنان من جذوره. لم يكن اغتيال الحريري مجرّد حدث سياسي أو أمني، بل زلزال وطني أطاح برجلٍ كان يمثّل، في وعي اللبنانيين والعرب، رمزاً لإعادة بناء الدولة بعد الحرب الأهلية، ومهندساً لمشروع حداثي طموح قائم على الاقتصاد الحر، والمؤسسات القوية، والتنمية الشاملة للبنية التحتية.
في لحظةٍ واحدة، توقّف الزمن اللبناني الحديث. بدا الاغتيال وكأنّه لم يستهدف شخص الحريري فحسب، بل استهدف مرحلة بأكملها من الأمل الوطني والانفتاح العربي والدولي. فذلك الرجل الذي أعاد وصل لبنان بالعالم، وأطلق أكبر عملية إعادة إعمار في تاريخه الحديث، كان بالنسبة لكثيرين عنواناً للبنان المزدهر والمنفتح، قبل أن يتحوّل يوم 14 شباط إلى لحظة كسر كبرى لمسار الدولة الحديثة.
• الفراغ القيادي واستغلال الاغتيال
أحدث اغتيال الحريري فراغاً قيادياً هائلاً في الحياة السياسية اللبنانية، إذ غاب عن المشهد رجل يمتلك الرؤية، والقدرة على جمع التناقضات، وإدارة التوازنات الدقيقة بين مكونات الدولة.
هذا الغياب سمح لخصومه باستغلال اللحظة لإعادة تشكيل السلطة وفق حسابات طائفية وشخصية ضيقة. ومع خروج الجيش السوري من لبنان في أعقاب «انتفاضة الاستقلال» عام 2005، دخلت البلاد مرحلة جديدة من التنافس بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة الحديثة التي أرادها الحريري، ومشروع الدويلة الذي تمثله قوى السلاح والارتباطات الإقليمية.
في المقابل، كانت المملكة العربية السعودية، الداعم الأبرز لمشروع الحريري، تحاول احتواء الأزمة، لكنها مع مرور الوقت، وجدت نفسها أمام مشهد لبناني معقّد تغلغلت فيه قوى إيرانية وسورية عميقة، فتحوّل دعمها التدريجي إلى فتورٍ واضح، خصوصاً مع تبدّل أولوياتها الإقليمية بعد عام 2011.
• الانقسامات الطائفية والتدخّلات الخارجية
منذ لحظة الاغتيال، انفجرت الانقسامات الطائفية في لبنان، وبدأت مرحلة من الاستقطاب الحاد بين فريقي «8 آذار» و«14 آذار». بدل أن يتحوّل الاغتيال إلى حافز لتوحيد اللبنانيين حول مشروع الدولة، صار مناسبة لتكريس الاصطفافات الطائفية والسياسية، حيث استعادت البلاد مشهد الحرب الأهلية بلغة جديدة وأدوات مختلفة.
في هذا المناخ، تحوّل الانقسام السياسي إلى غطاءٍ لتعطيل المؤسسات الدستورية. بات انتخاب رئيس للجمهورية أو تشكيل حكومة أزمة وطنية تستغرق شهوراً وسنوات، فيما تعطّلت إدارات الدولة وفقدت فعاليتها.
وفي ظل هذا الفراغ، تمدّد النفوذ السوري ولاحقاً والإيراني عبر حلفائهما المحليين. فبعد انسحاب الجيش السوري، ملأت دمشق الفراغ السياسي من خلال أدواتها في الداخل، بينما استغل «حزب الله» الانسحاب ليعزّز موقعه الأمني والعسكري، فارضاً معادلة جديدة من القوة جعلت الدولة رهينة «توازن الرعب».
تجلّى هذا التحوّل في اتفاق الدوحة عام 2008 الذي كرّس موازين القوى الجديدة لمصلحة المحور الإيراني، وشرعن امتلاك الحزب لسلاحه خارج سلطة الدولة. ومنذ ذلك الحين، بدأت فكرة «الحريرية» كرمز لمشروع الدولة المدنية المنفتحة بالتراجع التدريجي أمام تمدد نموذج «الدويلة المسلحة».
كما تواصل مسلسل الاغتيالات الذي طال رموز مشروع الدولة: جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو، محمد شطح وغيرهم... في محاولة منهجية لإسكات كل صوت يدافع عن سيادة الدولة واستقلالها. أما المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي أُنشئت لتحقيق العدالة في اغتيال الحريري، فتحوّلت مع الوقت إلى عنوان آخر للإحباط، بعدما فشلت في تحقيق العدالة أو ردع المجرمين، ما ساهم في ضرب الثقة بفكرة العدالة والدولة.
ترافق ذلك مع تصاعد النفوذ الإيراني، الذي استغل الانقسامات الداخلية ليكرّس لبنان كقاعدة متقدمة لمحوره الإقليمي. وهكذا، أصبحت لبنان يدور في فلك طهران، فيما تراجع حضورها العربي تدريجياً. ومع تصاعد خطاب «حزب الله» العدائي تجاه دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية، انكفأ الدعم العربي وتراجع الاهتمام الدولي، تاركين لبنان يغرق في أزماته من دون حاضنة إقليمية أو دولية.
• الانهيار الاقتصادي والاجتماعي
مع غياب القيادة وتفكك المؤسسات، بدأ الانهيار الاقتصادي يأخذ بعده الشامل.
فبعد سنوات الازدهار التي ميّزت مرحلة التسعينات، حيث تدفقت الاستثمارات وازدهر قطاع الخدمات، بدأ لبنان يدخل مرحلة الركود الطويل. توقفت المشاريع الإنمائية، وتراجعت الثقة بالقطاع المصرفي، وبدأ الدين العام يتضخم حتى تجاوز كل الخطوط الحمراء.
الوزارات أصبحت عاجزة عن اتخاذ قرارات استراتيجية، والخطط التنموية التي وضعها الحريري جُمّدت بالكامل. فالوزارات والإدارات الحيوية التي كانت عماد مشروع الإعمار أصيبت بالشلل، وتوقفت المشاريع الاستراتيجية للبنية التحتية.
ومع غياب القرار المركزي، تحوّلت الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين الطوائف، ما جعل السياسات المالية رهينة المحاصصة لا الرؤية الاقتصادية.
النتيجة الحتمية لما آلت إليه الأوضاع كانت انهيار العملة الوطنية، ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكّل العمود الفقري للمجتمع اللبناني.
أضيف إلى ذلك تراجع الخدمات العامة في الصحة والتعليم والنقل والطاقة. القطاع الخاص الذي كان محرّك النمو، اختنق بفعل الانكماش والضرائب العشوائية وانعدام الثقة. ومع ارتفاع التضخم وانهيار الليرة، فَقدَ المواطن اللبناني قدرته الشرائية، وبدأت موجة هجرة واسعة للكفاءات، حرمت لبنان من نخبه الأكاديمية والمهنية.
في العمق، تحوّل الاقتصاد اللبناني من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد طائفي ريعي، تديره مصالح ومصارف مرتبطة بالسلطة السياسية. ومع الوقت، أصبح الفساد نظام حكم، لا مجرد خلل طارئ. وهكذا تحوّل لبنان من نموذجٍ للنهوض بعد الحرب إلى نموذجٍ للدولة الفاشلة التي تآكلت من داخلها.
• غياب الرؤية الوطنية الجامعة
لم يكن انهيار لبنان حتمياً، بل نتاج غياب المشروع الوطني الجامع الذي كان يمثله الحريري. فمنذ اغتياله، لم ينجح أي فريق سياسي في إنتاج رؤية متكاملة تربط بين التنمية والسيادة، بين الاقتصاد والسياسة، وبين المواطن والدولة.
تحوّلت السلطة إلى «شركة مساهمة طائفية» توزَّع فيها المناصب والمنافع، فيما غاب الحس الوطني العام. ومع الوقت، بات اللبناني يعيش في وطنٍ بلا مؤسسات، ودولة بلا قرار، وسلطة بلا مشروع.
ومن حينها دخل مرحلة الانهيار البطيء؛ تآكل اجتماعي، تفكك مؤسساتي، وهجرة العقول. وبدل أن يشكّل اغتيال الحريري لحظة ولادة جديدة للدولة، تحوّل إلى بداية النهاية لمشروعها الحديث.
• الحاجة إلى إعادة إنتاج «الحريرية» الحديثة
لقد أثبتت التجربة اللبنانية خلال العقدين الماضيين أن غياب الرؤية الوطنية هو السبب العميق وراء الانهيار. فاغتيال رفيق الحريري لم يكن فقط نهاية رجل الدولة، بل كان انهياراً لفكرة الدولة الحديثة التي حلم بها دولة المؤسسات والإنتاج والانفتاح على العالم. مع تفكك البنية الإدارية، وتراجع الدور العربي والدولي، وتحوّل القرار الوطني رهينةً للمحاور الإقليمية، بات لبنان يعيش فراغاً مزدوجاً؛ فراغ القيادة وغياب الرؤية.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة إنتاج «الحريرية» على أسس جديدة، تتجاوز أخطاء الماضي، وتتكيّف مع واقعٍ سياسي واقتصادي مختلف جذرياً. فلبنان اليوم يحتاج إلى مشروع إنقاذ وطني يُعيد الثقة بالدولة، ويُعيد وصلها بعمقها العربي والدولي، ويُعيد الاعتبار للاقتصاد المنتج، والتعليم النوعي، والحوكمة الرشيدة. إن «الحريرية الجديدة» لا يمكن أن تكون استنساخاً لتجربة التسعينات، بل تطويراً فكرياً وسياسياً لها، ينطلق من جوهرها الإصلاحي، ويضيف إليه عناصر المواجهة والمساءلة والمواطنة الفاعلة، بما يتناسب مع التحوّلات في المنطقة والعالم.
فالمشروع الذي أعاد الحياة إلى لبنان بعد حربٍ مدمّرة، قادرٌ إذا ما أُعيد صياغته بعقلٍ إصلاحي متجدّد أن يفتح الباب مجدداً أمام ولادة دولةٍ قوية، مستقلة القرار، متصالحة مع محيطها العربي، ومتصالحة مع شعبها.
هكذا فقط يمكن للبنان أن يخرج من زمن الانهيار، ويستعيد موقعه الطبيعي في خريطة العالم، كما أراده رفيق الحريري؛ وطناً حيًّا، متقدماً، ومتصالحاً مع ذاته والعصر.