بعد مرور أكثر من عقدين على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ما تزال الأزمات المتراكمة والمستعصية التي تتحكّم بلبنان، تجعل الطريق نحو إستنهاض الدولة المستقرة والمستقلة لا يمرّ إلّا عبر إعادة إنتاج مشروعه الوطني بطريقة حديثة. هذه التجربة، التي يمكن تسميتها اليوم بـ«الحريرية الحديثة»، ليست مجرد تكرار لتجربة التسعينات، بل تطوير فكري وسياسي يعيد قراءة الماضي ويخطّط للمستقبل، مع مراعاة التحوّلات الإقليمية والدولية والتحديات الداخلية.
مرَّ أكثر من عقدين منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي كان نقطة تحوّل فاصلة في مسار لبنان السياسي والاقتصادي والاجتماعي. تلك اللحظة انكشفت الدولة بفعل ممارسات الطبقة السياسية الفاسدة، وأظهرت محدودية قدرتها على الصمود أمام الانقسامات الداخلية والتدخّلات الخارجية. ومنذ ذلك الحين، يتصارع اللبنانيون مع سلسلة أزمات متلاحقة، تشمل انهيار المؤسسات، الأزمة الاقتصادية الخانقة، غياب العدالة الاجتماعية، وتراجع الثقة بين المواطن والدولة.
في هذا السياق، لم يعد من الممكن العودة إلى نمط الحكم التقليدي أو الاقتصادات الريعية التي اعتمدت على المحاصصة الطائفية والفساد المستشري. الطريق نحو لبنان المستقر والمستقل يتطلب مشروعاً وطنياً متجدّداً، يوازن بين دروس الماضي وطموحات المستقبل، ويعيد بناء الدولة على أسس قوية وواضحة. هذا المشروع هو ما يمكن تسميته اليوم بـ«الحريرية الحديثة»، رؤية سياسية وفكرية عملية، تقوم على تطوير تجربة التسعينات وليس مجرد تكرارها، وتهدف إلى استعادة الدولة اللبنانية بكامل سلطتها وفعاليتها، ضمن بيئة عربية ودولية متغيّرة ومعقّدة.
الحريرية الحديثة لا يجب أن تكون مجرد برنامج سياسي، بل مشروع وطني شامل يعيد تعريف علاقة الدولة بمواطنيها، ويعيد ترتيب الأولويات الوطنية على أسس السيادة، العدالة، التنمية الاقتصادية، والمؤسسات القوية. كما يعطي المشروع دوراً محورياً للنخب والجيل الجديد في قيادة الإصلاحات وضمان استدامتها، بما يضمن ولادة دولة ممكنة، قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية وتحقيق تطلّعات الشعب اللبناني. إنها رؤية تجمع بين الواقعية السياسية والطموح الوطني، بحيث تراعي تعددية المجتمع اللبناني وتحدّياته المركبة، لكنها تضع مصلحة الدولة والوطن فوق أي اعتبار آخر.
• رؤية وطنية متجدّدة
الحريرية الحديثة يجب أن تمثل إطاراً سياسياً وإصلاحياً يسعى إلى:
- استعادة الدولة المدنية المستقلة القادرة على اتخاذ القرار الوطني بحرية، وحصر السلاح بيد الدولة الشرعية، بعيداً عن أي نفوذ خارجي أو ميليشياتي.
- إعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج والاستثمار، وتحرير لبنان من المحاصصة الطائفية والفساد المزمن الذي عرقل التنمية لعقود.
- تعزيز الانفتاح العربي والدولي، وإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كدولة متصالحة مع نفسها والعالم، قادرة على جذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة.
هذه الرؤية تجمع بين الواقعية السياسية والطموح الوطني، وهي مرنة بما يكفي للتعامل مع تعددية المجتمع اللبناني وتحدياته المعقّدة، لكنها تضع مصلحة الدولة والوطن فوق كل اعتبار.
• مرتكزات الدولة الممكنة
لبناء دولة حديثة قابلة للبقاء، بات من الضروري أن تعتمد الحريرية الحديثة خمسة مرتكزات رئيسية، تمّت توسعتها لتشمل المفاهيم الحديثة للدولة:
1. السيادة الوطنية المطلقة:
لبنان بحاجة إلى استعادة قدرته على اتخاذ القرار الوطني بحرية، دون تأثير أو هيمنة خارجية. هذا يشمل:
أ. حصر السلاح بيد الدولة الشرعية، بما يعزز سلطة الدولة ويضع حدّاً للفوضى المسلحة.
ب. تحرير القرار السياسي والاقتصادي من كل أشكال النفوذ الإقليمي والدولي، لضمان استقلالية القرارات المتعلقة بالدفاع، السياسات الخارجية، والعلاقات الاقتصادية.
ج. بناء استراتيجية وطنية واضحة تجمع القوى السياسية حول رؤية مشتركة لمصلحة الدولة والمواطن.
2. الإصلاحات الاقتصادية والتحوّل نحو الاقتصاد المنتج:
لا بد من أن تعتمد الحريرية الحديثة على اقتصاد منتج قادر على تمويل الدولة وتحقيق رفاهية المواطنين من خلال:
أ. إعادة هيكلة المالية العامة ومكافحة الهدر والفساد الذي أدّى إلى الانهيار الحالي.
ب. دعم القطاعات الحقيقية المنتجة مثل الصناعة والزراعة والسياحة، لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتحفيز الناتج المحلي.
ج. تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي من خلال بيئة مستقرة وشفافة، وربط السياسات الاقتصادية بسياسات التنمية الاجتماعية.
د. تطبيق إصلاحات مالية تتضمن الضرائب العادلة، ضبط الإنفاق، وتحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتصبح محرّكاً للنمو.
3. المؤسسات والحوكمة الحديثة:
لبنان بحاجة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الحوكمة الرشيدة والشفافية، وهذا ما يتطلب:
أ. تبنّي الحوكمة الإلكترونية والحكومة الرقمية، لتسهيل الوصول إلى الخدمات العامة وربط الأداء بالمساءلة.
ب. إصلاح البنية الإدارية للوزارات وربطها بالنتائج، مع رقابة حقيقية على الأداء المالي والإداري.
ج. استخدام التكنولوجيا لتعزيز الشفافية، من خلال بوابات بيانات مفتوحة تتيح للمواطن متابعة تنفيذ المشاريع الحكومية ومراقبة الأداء المالي.
د. تطوير البنية التحتية الذكية التي تدعم الرقمنة في النقل، الطاقة، والصحة العامة، بما يعزز قدرة الدولة على تقديم الخدمات بكفاءة.
4. التعليم والمعرفة:
التعليم الحديث هو ركيزة أي دولة منتجة ومتقدمة عبر:
أ. الاستثمار في التعليم النوعي والتقني، وربط الجامعات بسوق العمل والاقتصاد الوطني لضمان جاهزية الجيل الجديد للمساهمة في الإصلاحات.
ب. تشجيع البحث العلمي والابتكار، وربط النتائج بمشاريع اقتصادية قابلة للتطبيق، بما يعزز القدرة التنافسية للبنان على المستوى الإقليمي والدولي.
ج. تطوير برامج تدريبية للشباب لتمكينهم من قيادة المشاريع التنموية والإصلاحية مستقبلاً.
5. العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الموارد:
السعي لتأسيس دولة عادلة ومتكافئة عن طريق:
أ. ضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد والخدمات العامة.
ب. معالجة الفساد والهدر في المؤسسات العامة، بما يعيد ثقة المواطنين بالدولة.
ج. تنفيذ سياسات حماية اجتماعية للفئات الأضعف، مع تشجيع التوظيف وتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى كمحرك رئيسي للنمو والتنمية.
• إعادة لبنان إلى عمقه العربي
إعادة إنتاج الحريرية الحديثة يجب أن لا تقتصر على الداخل، بل تشمل تعزيز مكانة لبنان على المستوى الإقليمي. وهذا ما يتطلب:
أ. بناء علاقات متوازنة ومستقرة مع دول الخليج والشركاء التقليديين للبنان، بما يعزز الاستثمار والتعاون السياسي والاقتصادي.
ب. إعادة التموضع الاستراتيجي بعيداً عن المحاور الإقليمية الضاغطة، مع تبنّي سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة.
ج. خلق شراكات اقتصادية وسياسية تعزز قدرة الدولة على الصمود وتعيد الاستثمارات العربية التي انسحبت بسبب الانهيار السياسي والأمني.
• دور النخب والجيل الجديد
نجاح مشروع إنتاج الحريرية الحديثة من الضروري أن يعتمد على طبقة سياسية وفكرية جديدة، تأخذ في عين الإعتبار:
أ. إعادة بناء الطبقة الوسطى كمحرك أساسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ب. تشجيع مشاركة الشباب والمرأة في السياسة، الاقتصاد، والمجتمع المدني، مع دعم مبادراتهم الريادية.
ج. تعزيز ثقافة المواطنة والمساءلة والعمل المشترك بعيداً عن الانقسامات الطائفية، بما يرسّخ الدولة القوية والمجتمع الواعي.
• خارطة طريق للبنان الممكن
في ختام هذا المسار التحليلي، تبرز الحاجة الملحّة إلى صياغة رؤية سياسية وفكرية جديدة تُعيد إنتاج الحريرية الحديثة، لا بوصفها استذكاراً لماضٍ مضى، بل مشروعاً وطنياً متجدّداً يُبنى على تجربة التسعينات ويطوّرها بما يتلاءم مع المتغيّرات العميقة في لبنان والمنطقة والعالم.
إن مسؤولية النخب اللبنانية، السياسية والاقتصادية والفكرية، تفرض اليوم إعداد خارطة طريق شاملة تعيد الدولة إلى مسارها الطبيعي، مستندة إلى الإرث الذي أرسى أسس الدولة الحديثة، ومتكئة على فهم واقعي لتحدّيات الحاضر وآفاق المستقبل.
خارطة طريق تُوازن بين السيادة الفعلية والإصلاح الحقيقي، بين العدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي، بين الحوكمة الرشيدة والمواطنة الفاعلة، لتُعيد للبنانيين ثقتهم بدولتهم وتمنحهم الأمل بقدرتها على النهوض من جديد.
إنها دعوة صادقة لكل اللبنانيين، بلا استثناء، إلى الالتقاء مجدداً حول مشروع وطني جامع، يُحصّن الدولة، يُنظّم الإصلاح، ويستثمر في الإنسان، ليولد لبنان الممكن من رحم الأزمة، لبنان الحلم الذي أراده رفيق الحريري؛ دولة حيّة، عادلة، متصالحة مع نفسها والعالم، وماضية بثقة نحو مستقبلٍ يليق بشعبٍ لم يفقد يوماً إيمانه بقدرته على الحياة.
- إنتهى